نازحاتٌ بلا بوصلةٍ

·

·

,

نسوةٌ سُمراوات حملن الأمتعة إلى المجهول، وسرن مسافاتٍ طويلة في بلدٍ افترسته نيران الحرب الأهلية التي أتلفت حيوات النساء، واغتصبت الجسد والمسكن في هوامش تساكنت مع نيران الاقتتال، لا سيما في دارفور وكردفان والنيل الأزرق. طرقاتٌ خلت من المارة، وأغصان أشواكٍ متداخلة وطئتها أقدامٌ مرهقة تبحث عن نجاة.

مع انتشار كابوس الموت والمجاعة وإرهاصات النزيف المستمر، بدأت أتساءل عن حال الناجيات والمُعنَّفات. كنت أدرك أن التوثيق يحمي الذاكرة من التآكل، ويحفظ الحقوق والعدالة من السقوط في غياهب النسيان. فالحروب لم تكن قاصرة على الرجال، إذ حملت نساءٌ السلاح في مناطق الجزيرة وكردفان وبورتسودان كمسانداتٍ للجيش. اختلط الحابل بالنابل، وعُسكرت أجسادهن بتحويلها إلى ساحات حرب، إذ يسعى كلا الطرفين إلى النيل من خصمه عبر الاغتصاب والعنف الجنسي.

استقبلت مدينتي الصغيرة، أبوكرشولا في جنوب كردفان، نازحاتٍ من الرهد شمالي كردفان، وكادوقلي، والدلنج، وكرتالا، فررن منها إثر تفشي المجاعة وانعدام مصادر الدخل. حتى الأعمال الهامشية باتت تحتاج إلى رأس مال، ولم تعد مجزية. كما احتُجزت فتيات وزُوِّجن من مجندين في الدعم السريع بالرهد شمالي كردفان، وأُخريات زُوِّجن قسرًا بعد اختطافهن من الجزيرة وجيء بهن إلى مناطق سيطرة الدعم السريع، حيث لا نعرف عددهن ولا الأوضاع التي فُرضت عليهن.

كما ساهم غياب المنظمات التي تقدم المساعدات الملحّة في تفاقم المعاناة، وبين النازحات فتيات في طور النمو، وحوامل يحملن في أحشائهن حياتين، إضافة إلى مسؤولية إعالة أسرٍ كاملة. يجب أن نعيد ترتيب صفوفنا، وأن تتوفر لكل الثائرات منابر لسرد الحقائق، فبعضهن لا يعرفن الإنترنت ولا المساحات الآمنة، ولم يحصلن على تعليم، أو يدركن أهمية المناصرة النسوية، رغم أنهن فاعلات في اقتصادٍ مُنهك يمول حربًا لا طائل منها.

كما يقع على عاتقنا أن نخلق خياراتٍ لمساراتٍ بديلة تراعي الهشاشة والمساواة والقيم والخصوصية الثقافية، من خلال سرديتنا النابعة من ذواتنا كنساء يستنكرن العسكرة والاحتراب. ويتعين علينا أن نقول: لسنا ثانويات. ففي ظل شيطنة الممارسة السياسية، وتضييق المجال العام، وانتشار القتل بدوافع إثنية وفق تقارير أممية، تبدو الصورة نذير شؤم، لكنها ترصد ما يجري على الأرض، بما يفسر غياب أجهزة الدولة والمواطنة بوصفهما من مطلوبات الدولة المدنية الحديثة. حينها ندرك أننا نتسابق نحو الحضيض، مع ضعف البنى التحتية وسلطةٍ مركزية تنتج القهر والتهميش والإقصاء، وما أشدَّ ضررها على النساء.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *