كيف تغنت نساء السودان للحياة؟

الأنثروبولوجيا الموسيقية لترانيم الولادة في السودان: دراسة في طقوس العبور

نجد أن أغاني وترانيم الولادة و”السماية” (السبوع) تندرج تحت ما يُعرف أكاديمياً وشعبياً بـ “أغاني البنات” أو الغناء النسائي التقليدي.

هذا النوع من الغناء ليس مجرد احتفال عابر، بل هو نسق موسيقي واجتماعي شديد التعقيد يعكس فلسفة مجتمع يعتبر الولادة طقس أساسي من طقوس العبور ويتخلله السحر والموروث الذي يضفي طابعه الخيالي، تسجل عبره المرأة السودانية ذاكرتها ومخاوفها وآمالها.

كأغلب الموسيقى السودانية، تُبنى أهازيج الولادة والسماية على السلم الخماسي. يتميز هذا السلم بالبساطة والدفء وسهولة الاستيعاب، مما يسمح لجميع النساء الحاضرات (حتى غير المحترفات) بالمشاركة الفورية في الغناء. اللحن الخماسي هنا يخلق حالة من “الونسة الصوتية” أو الألفة، حيث تدير فيه القابلة (الداية) المشهد كله، ليتحول الغناء الى صلاة تضرع ودعاء للنجاة.

موسيقياً، لا تُغنى هذه الأهزوجة بإيقاع راقص، بل تُؤدى في شكل ترنم ، يكون في الترانيم لحن بسيط على مساحة صوتية ضيقة جداً (غالباً نغمتين أو ثلاث من السلم الخماسي)، ويتزامن إيقاع الكلمات مع إيقاع “الطلق” (انقباضات الرحم) وتنفس الأم. النساء هنا يشاركن في تنظيم تنفس النفساء عبر الإيقاع اللفظي.

كمثال في أهزوجة الطلق (التي تصاحب الولادة):
يا حلّال الحامِلَة

مِن غُلاماً جاهِلا

جبريل ناجى ربو وجا

حلاّك الما بدور جزا

أنثروبولوجياً، النص مذهل في توصيفه لحالة الولادة. استخدام لفظة “حلّال” تشير إلى العقدة التي يجب أن تُفك. والوصف البليغ للجنين بأنه “غلاماً جاهلاً” يعكس إدراكاً عميقاً بأن هذا الكائن الذي يسبب الألم الممض لا يفعل ذلك عن عمد، بل عن براءة وجهل. ثم يأتي التدخل الإلهي عبر الوحي (جبريل) لتأكيد أن الخلاص مجاني ومنحة ربانية (الما بدور جزا). الموسيقى هنا تخلق حقلاً سيكولوجياً يخفف من روع الأم، ويربط ألمها الفسيولوجي بقوة روحية عظمى تساندها.

تعتمد هذه الأغاني على تيمات لحنية قصيرة تتكرر باستمرار . هذا التكرار اللحني ليس فقيراً، بل هو مقصود لخلق حالة من الاسترخاء النفسي ، وهو ما يشبه لحنياً بعض أغاني “الزار” السودانية ولكن بوظيفة احتفالية وداعمة للأم (النفَساء) لرفع روحها المعنوية بعد آلام المخاض.

نسق “النداء والاستجابة” ليس مجرد شكل موسيقي، بل هو تجسيد حي لـ “التكافل الجماعي” (نفير). صوت الجماعة الغنائي يُشعر الأم بأنها ليست وحدها، وأن هناك شبكة أمان اجتماعي تحتضنها وتحتضن مولودها.

النسق الإيقاعي يعتمد بالأساس على آلة الدلوكة (الطبل الفخاري المغطى بالجلد) التي تعطي إيقاعاً عميقاً ودافئاً، وتصاحبها آلة الشتم (أو كما تسمى محلياً “بنات الدلوكة”) وهي طبلة صغيرة جداً تُضرب بعصي صغيرة لتُعطي إيقاعاً حاداً وسريعاً ، هذا التزاوج الإيقاعي يُلهب الحماس ويُحفز على التصفيق وزغاريد الفرح.

النسق الغنائي يعتمد على قائدة تُسمى “المغنية” أو “الحكامة” في بعض المناطق أو القابلة (الداية)، ومجموعة من النساء يُطلق عليهن “الشيّالات” (الكَورَس). تُلقي المغنية شطراً شعرياً، فترد الشيالات بشطر ثابت متفق عليه.

في التفسير المحلي السوداني، تُعتبر الأم ومولودها في أيامه الأولى في حالة ضعف روحي يجعلهما عرضة لـ “المشاهرة” (الأرواح الشريرة أو العين والحسد). الإيقاع الصاخب للدلوكة، والأصوات العالية، والزغاريد، تكون الترانيم التي تحتوي على نصوص صريحة مثل (عين الحسود فيها عود) أو (يا عين يا عينية دبيتك بيدي دي)، تُفسر محلياً بأنها آليات لطرد هذه الأرواح وتحصين المولود.

مع خروج المولود، ينكسر الصمت أو الترنم الخافت بـ “الزغرودة”. في سياق تحليل الصوت، الزغرودة هي تردد صوتي عالي النبرة يخترق المكان لإعلان النهاية السعيدة لرحلة الألم.

تاريخياً في البوادي والقرى، كانت الزغرودة تحمل شفرة سيميائية تحدد جنس المولود؛ فثلاث زغاريد قوية وممتدة تعلن قدوم الذكر (الفارس والسند في المجتمعات الرعوية والزراعية)، بينما زغرودة واحدة أو زغاريد متقطعة تعلن قدوم الأنثى (ست البيت وأنيسة الأم). ورغم أن هذه السوسيولوجيا الذكورية تغيرت كثيراً اليوم، إلا أن الزغرودة تظل الإعلان الرسمي لانتقال الطقس من مرحلة “الخوف” إلى مرحلة “الفرح”.

ترتبط الكلمات والألحان في ترانيم “السماية” بتحديد المستقبل الاجتماعي للمولود. فإذا كان المولود ذكراً، يميل الإيقاع ليكون أقرب لـ “أغاني السيرة والحماسة” لتمجيد الأب (الكرم والذبح للضيوف) والتنبؤ للطفل بالفروسية. أما إذا كانت أنثى، تميل الألحان لإيقاعات “أغاني البنات” الخفيفة التي تتغنى بالجمال، و”الشبال” (رقصة سودانية تعبر عن الدلال)، وتجهيزها لتكون زينة البيت.

مثلاً:
بَنِيَنة هييه بَنَا بِينَ يا بينينا هي

جديدك يا عشاي فرّحنا

شاهد الله الكريم في بيتك اتريحنا

واخوالك يِدُخْلو ام حديداً زحمة

تور الخلوة ابوك عثمان سريع النهمة

موسيقياً، تعتمد هذه الأهزوجة على المجاوبة في  اللازمة (بنينة هييه…) تعمل كمثبت إيقاعي يسمح للمغنية الرئيسية بالتقاط أنفاسها وتأليف الأبيات التالية (بقطع واجر في غنايا). هذا النمط اللحني يخلق طاقة جماعية هائلة، حيث تفرز هذه الترددات الإيقاعية مع التصفيق هرمونات السعادة، وتخرج الأم من عزلة النفاس إلى قلب المجتمع.

أما من الناحية الأنثروبولوجية، فهذه القصيدة هي “وثيقة فخر عائلي” متكاملة الأركان. المغنية لا تمدح المولود فحسب، بل ترسم له خريطة جينية وثقافية: عبر الفخر بالأب والجد: (تور الخلوة ابوك عثمان سريع النهمة / معروف بالكرم جدك). تأكيد على الكرم، سرعة النجدة، والارتباط بالدين والعلم (ود المساجد والعلم والراية). وتمجيد الأم والأخوال: (أمك يا عشاي خاتية الكلام والنبّا / قرن الجنزبيل خالك لدغة القبة). هنا تبرئة للأم من أي عيب أو نقيصة، وتأكيد على شجاعة وحرارة الأخوال (قرن الجنزبيل/لدغة القبة).

الوفرة والكرم: (ركابين بليلة العيش نجض في الدانة). دلالة سوسيولوجية على أن هذا البيت بيت خير وإطعام للضيوف في مجتمع يقيم وزناً كبيراً للمضيف السخي.

عندما نُفرّغ هذه الأهازيج من قشرتها كـ “أغاني بنات” كما تُسمى أحياناً في الأدب الشعبي، نكتشف أنها مؤسسة علاجية، واجتماعية، وتوثيقية. إنها علاج بالموسيقى يقلل الألم بالترنم الجماعي، فيحدث أن تخفف الموسيقى آلالام الولادة التقليدية عندما لا تتوفر أدوات التخدير، تُصبح الموسيقى هي مخفف الألم وهي حصن نفسي لدرء الحسد بالكلمات المبطنة، وهي قبل كل شيء المدرسة الأولى التي يرضع فيها الطفل – والأجيال الحاضرة – قيم الشجاعة، والكرم، والترابط الأسري، على إيقاع السلم الخماسي ونبض الدلوكة السودانية.

أغاني الولادة والطلق و النفاس في السودان هي “أرشيف صوتي” يوثق قدرة المرأة السودانية على استخدام الموسيقى كأداة مزدوجة: أداة طبية-نفسية لتجاوز آلام المخاض وعزلة النفاس، وأداة سوسيولوجية لترسيخ قيم القبيلة وتمرير المعتقدات الروحية (مثل درء العين) إلى الجيل الجديد عبر السلم الخماسي الساحر.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *