بواسطة الكاتب: وليد عبدالله عمر امام
أنا من ولاية شمال دارفور من محلية أمبرو. أحكي لكم اليوم قصتي أو بالأصح أحكي لكم قصة معاناة عشتها أنا وعاشها إنسان منطقتي لسنوات طويلة.
أمبرو منطقة صحراوية تحيط بها الجبال والأودية الموسمية منطقة بعيدة عن كثير من الخدمات الأساسية لا توجد فيها كهرباء حكومية ولا شبكة مياه حديثة ولا طرق مسفلتة تربطها بالعالم من حولها ولا مستشفيات حديثة توجد مراكز صحية محدودة لكن الخدمات الصحية تكاد تكون معدومة أمام حجم الاحتياجات، أما التعليم فقد أنهكته سنوات الحرب والإهمال ونقص الإمكانيات، وفي ظل كل هذا كنت دائماً أسأل نفسي !
لماذا تأتي المصائب دائماً إلى المكان الأضعف؟ وتذكرت مثلاً دارفورياً يقول إن الحبل دائماً يُشد من أضعف مكان فيه
وهكذا شعرت أن كل أزمات البلاد في نهاية المطاف تصل إلى الإنسان البسيط في المناطق البعيدة ذلك الإنسان الذي لا يملك القوة ولا الوسيلة للدفاع عن نفسه، أنا واحد من أبناء جيل عاش النزوح منذ حرب 2003، ما زالت آثار تلك الحرب موجودة في ذاكرتي وليست مجرد تاريخ مكتوب في الكتب عشت آثارها ورأيتها في حياة الناس من حولي ورأيتها في إنسان منطقتي الذي ظل لسنوات طويلة يحاول فقط أن يجد طريقة للبقاء، بل إن الإنسان في منطقتنا لم يكن يعرف كثيراً عن معنى الرفاهية أصلاً، لم نكن نعيش حياة تجعلنا نسأل: ما معنى الرفاهية؟
كنا نسأل أسئلة أبسط بكثير:
هل يوجد ماء؟
هل يوجد طعام؟
هل يوجد دواء؟
هل الطريق آمن؟
هل يستطيع الطفل الذهاب إلى المدرسة؟
لم تكن المصطلحات السياسية الكبيرة جزءاً من حياتنا اليومية كثير من الناس لم يكن يعني لهم كثيراً ما هو اليمين السياسي أو اليسار السياسي ولا كيف تعمل الديمقراطية او الالمانيه ولا كيف تدار الدولة، كانت السياسة بالنسبة للمواطن البسيط شيئاً بعيداً بينما كانت معركته الحقيقية هي معركة البقاء والحياة اليومية، ثم جاء اتفاق جوبا للسلام. في ذلك الوقت بدأ الناس يتفاءلون من جديد.
قلنا ربما انتهت الحرب وربما يعود النازحون واللاجئون إلى مناطقهم وربما يبدأ إنسان دارفور حياة جديدة
وبالفعل بدأ بعض اللاجئين الذين نزحوا منذ عام 2003 في العودة، لكن العودة لم تكن سهلة.. إنسان عاش قرابة عشرين عاماً في بلد آخر كيف يمكن أن يعود فجأة دون برامج توعية ودون خدمات ودون دعم حقيقي من الحكومة أو المنظمات؟ اللجوء نفسه ليس حياة سهلة
أن تعيش عشرين عاماً بعيداً عن وطنك ثم تعود وتجد أن الأشياء التي تركتها تغيرت وأن الخدمات غير موجودة وأن الحياة أصبحت أكثر صعوبة… ذلك في حد ذاته مأساة. وبينما كنا نحاول أن نستوعب كل ذلك جاءت حرب 15 أبريل 2023، بدأت الحرب من العاصمة، لكن مع مرور الوقت اتسعت دائرتها ووصلت إلى الولايات والمحليات والقرى والفرقان، وأصبحت الدائرة تضيق حول الإنسان أكثر فأكثر
كانت الأسواق في شمال دارفور مرتبطة ببعضها. كانت مناطق مثل الفاشر وكبكابية و كتم وغيرها من المناطق تمثل مصادر رئيسية للمواد التي تصل إلى محليتنا، من هناك كانت تصل المواد الغذائية ومواد البناء والاحتياجات الأساسية وغيرها من السلع التي يعتمد عليها المواطن
لكن مع تصاعد الحرب حدث ما لم يكن في الحسبان، حوصرت مدينة الفاشر وتوقفت حركة الواردات ثم بدأ الانقطاع يمتد من ولاية إلى محلية ومن محلية إلى أخرى
وأصبح الإنسان في أمبرو يسأل!
من أين سنأتي بالطعام؟ ومن أين سنحصل على الدواء؟ ومن أين سنحصل على أبسط احتياجات الحياة؟
كانت محلية كتم في بعض الفترات تمثل منفذاً مهماً بسبب المصالح التجارية المتبادلة، كانت سيارات تأتي من كتم محملة بالخضروات والبصل وغيرها من المواد وعند عودتها تحمل معها الدقيق والمكرونة والسكر وغيرها من الاحتياجات نسبتا لانفتاحها محلية أمبرو الخط التجاري من دولة ليبيا و دولة تشاد، كانت تلك الحركة التجارية البسيطة تعني الكثير للمواطن، لكن مع اشتداد الأوضاع الأمنية أصبحت حتى هذه المنافذ مهددة وأصبح الحصول على الغذاء والدواء والمياه تحدياً يومياً، في تلك اللحظة بدأ السؤال الأكبر
كيف سنقاوم الحياة؟
ليس كيف سننتصر في الحرب…
بل كيف سنجد الأكل والشرب والدواء؟
وهنا ظهر دور الشباب
قام عدد من شباب المنطقة بمبادرات شبابية وبدأوا يتواصلون مع شباب وأشخاص من خارج السودان بحثاً عن أي طريقة يمكن أن تساعد أهلهم
وفي خضم هذه الظروف تعرفنا على شيء لم نكن نعرفه من قبل بشكل واضح
غرف الطوارئ والاستجابة السريعة
سعينا إليها وبدأنا العمل وتم تكوين غرف طوارئ محلية أمبرو
وبالنسبة لي لم تكن غرف الطوارئ مجرد جسم أو منظمة
كانت في ذلك الوقت شيئاً أكبر من ذلك بكثير
كانت واحدة من أهم أسباب استمرار الحياة بالنسبة لآلاف الأسر
من خلالها بدأ الشباب يعملون على إيصال الغذاء والمياه والمساعدات ومساندة الأسر الأكثر احتياجاً والاستجابة للأزمات التي كانت تتوالى علينا يوماً بعد يوم
وفي تلك الفترة كنت أسأل نفسي كثيراً !
من هؤلاء الذين يساعدوننا؟
من أين أتوا؟
ولماذا يقدمون لنا كل هذا؟
ما الذي يدفع إنساناً لمساعدة إنسان آخر ربما لا يعرفه؟
ومع مرور الوقت بدأت أفهم الإجابة
اكتشفت أن الحياة فيها أناس يفعلون الخير بقدر ما فيها من أناس يفعلون الشر
واكتشفت أن الإنسانية يمكن أن تكون أقوى من كل الحواجز التي صنعناها بين بعضنا البعض
فالإنسانية لا تسأل أولاً عن القبيلة
ولا تسأل عن اللون
ولا تسأل عن المعتقد
ولا تسأل من أي منطقة أتيت
ولا تسأل عن الحدود الجغرافية التي تعيش داخلها
الإنسانية ترى الإنسان أولاً
وهذه بالنسبة لي واحدة من أعظم الدروس التي تعلمتها من الحرب
لكن الحرب لم تتوقف
ارتفعت الأسعار وازدادت صعوبة الحصول على الاحتياجات الأساسية واستمرت دائرة الصراع في الاقتراب من محليتنا
وفي النهاية اضطر جزء كبير من سكان المنطقة إلى اللجوء إلى معسكرات شرق تشاد بينما بقي جزء آخر داخل المحلية
لكن حتى الذين بقوا لم يكونوا في مأمن
تعرض بعض المواطنين للنهب وسلبت أموالهم وممتلكاتهم وفقد بعضهم حياته، وكان مصدر رزق الإنسان في منطقتنا بسيطاً ومحدوداً، الرعي والتجارة المحلية والزراعة الموسمية، ثم جاءت كارثة أخرى، الأمطار هذا العام لم تكن كما كان الناس يأملون
ومع تراجع الأمطار تضررت الزراعة والمراعي وفقد كثير من الناس جزءاً من مصادر رزقهم وفي الوقت نفسه كانوا يواجهون آثار الحرب والنهب وارتفاع الأسعار، فأصبحت الكارثة مركبة، حرب – ونزوح – وغلاء – وانعدام خدمات – وتراجع في مصادر الدخل – وشح في المياه والغذاء، ومع ذلك ظل الناس يحاولون الصمود، ظل الشباب يعملون، وظلت غرف الطوارئ تحاول الاستجابة بما لديها من إمكانيات.
وظل هناك أناس من داخل السودان وخارجه يؤمنون بأن حياة الإنسان تستحق أن تنقذ، واليوم عندما أنظر إلى كل هذه السنوات أجد أن قصتي ليست قصة شخص واحد، إنها قصة إنسان أمبرو، قصة إنسان شمال دارفور، قصة إنسان عاش الحرب والنزوح ثم عاد ليجد نفسه أمام حرب جديدة، ومع ذلك لم يفقد الأمل، وفي ختام هذه القصة أقول شكراً لكل الزملاء والزميلات في ربوع الوطن الحبيب ولكل متطوعي غرف الطوارئ ولمجلس غرف الطوارئ ولكل المانحين والمنظمات والشركاء ولكل شخص قدم لنا يد العون في أصعب الأوقات، وشكراً بشكل خاص لكل من ساعد في رفع صوتنا عندما كنا بلا صوت، شكراً للإعلاميين والصحفيين الذين نقلوا معاناة أهلنا وأوصلوا أصوات الناس في المناطق البعيدة إلى العالم
ربما لا نستطيع أن نغير كل شيء
وربما لا نستطيع أن نوقف الحرب وحدنا
لكننا نستطيع أن نفعل شيئاً مهماً جداً
أن نقف بجانب الإنسان
لأن الإنسان قبل القبيلة
والإنسان قبل السياسة
والإنسان قبل الحدود
والإنسانية قبل كل شيء
هذه قصتي من أمبرو…
وهذه ليست مجرد حكاية عن الحرب
بل حكاية عن أناس حاولوا أن يصنعوا من وسط الألم حياة
ومن وسط الخوف أملاً
ومن وسط الانقسام إنسانية


اترك تعليقاً