إسم الكاتب : محمد بشرى
بدا وكأنه يريد مصادقة المدينة ويطوي شوارعها برجليه متجلياً الأزقة بحميا لا تعرف الإنطفاء، عابراً كالظل في أحشائها. كان كل شئ في منتهى الرقة، العمال المتعبون، الاسفلت الساخن، الشاحنات الكبيرة والطيور تجر وراءها خيط من ظلال الغروب، لقد شعر بالرقة تحفه ذاك المساء. قديماً لم يكن صابر يسكن هنا كان في الجنوب في قرية على تل تحدها الجبال من جميع الجهات، يعمل في حقول القمح ويعود في المساء بين أشجار الباباي الى البيت. لطالما رغب الشاب في المغادرة كان يشعر بأن بيئتها تكبل طموحاته أما والداه فكانا يعزان الأمر الى سفره من أجل الدراسة في الولاية وانبهاره بالمعيشة هناك. لم تكن نظرته للرحيل كما يعتقدان بل يرى أسباب جوهرية تدعوهم الى ترك المكان خاصةً أن عائلته ليست من السكان الأصليين بل مهاجرين أتوا قبل سنوات قليلة من أطراف البلاد، لذلك لا يأخذ الأهالي برأيهم في الشورى ولا يدعونهم للمشاركة في الاحتفال الموسمي للحصاد الذي يقام بالقرية. لا يعلم صابر كيف لأسرته أن ترا البلدة وادعة هادئة ولم يتطرقوا الى مساوئها. إنهم معزولون في أزقة خلوية لم يسمع أهلها قط بأساليب العيش التي تشجع على تقبل الآخر وتدعوا الجميع باختلافتهم العرقية والإثنية للانغماس فيما بينها.
العاصمة ساحلية عليها كراسٍ تطل على النيل، جلس صابر قبالة البحر بعينين غائمتين لمستكشف لا يعرف الكلل يتتبع التواءات الموج وكأنه إلهام، أخيراً سأستريح قال ويمكنني أن أعيش أيامي ببهاء كلي. إنحدر على الرصيف بدأ يجس الآن نبض العاصمة السريع، مر في طريقه بالبنايات الطويلة ومشى سحلا في الأسواق. التقى في مصطبة قرب المنزل بأصدقاء تعرف عليهم مؤخراً في المسجد الكبير فحياهم وتبادلوا الكلام. صابر تخرج منذ سنتين من كلية الاقتصاد بدرجة علمية رفيعة، هو مثقف الى حد ما يحب قرآة الأدب والفلسفة وكل ما يتعلق بالعلوم. حدثه الشبان عن ندوة ثقافية بعنوان التحضر ستقام في مركز الشباب يوم غدٍ. عرضوا عليه المشاركة ولم يتردد صابر على الموافقة كان ممتن لاختياره، فهي فرصة ستقربه أكثر من أهل الحي. إحتضن الشبان عرفاناً لذلك وشكروه على ثنائه ثم ودوعوه.
سنوات عديدة قضاها صابر محاولاً إقناع والديه بالرحيل تمنى كثيراً بأن يغادر القرية في يوم ما لكن لم يخال له أن يخرج منها بتلك الطريقة. كانت وقتها الأرض تهتز والقلب في الصدر والصور على الجدران. إنها الحرب. خرج الناس مقتلعين وأصوات الرصاص أتتهم من كل فج قريب، كان السكان في الطريق يسوقهم الحنين نحو القرية والحقول وأشجار اللبلاب التي تنحني فوق سطوح البيوت. كان لهم في المكان ملاعب طفولة وبهجة ترحاب للضيوف، وقلوبهم كانت ترف كلما رأوا شجرة مثمرة، كان لهم فيها صلوات وأدعية كي ينزل المطر الموسمي وبعض أحلام منذ الصبا نسجوها. لكن تحطم كل شئ على رؤوسهم في لحظة عابرة. الأسرة إستأجرت بيت وسط المدينة واستقبلهم سكان الحي بود فاق تصوراتهم شعروا بينهم بالألفة فصاروا يشاركون الجيران جنائزهم وحفلات زفافهم والشئون الخاصة بالحي. عاد صابر الى المنزل بوجه مأهول بالأماكن التي قد رأى، وجد في الصالة أبوه خالد وزوجته روضة يرتشفان الشاي خاطبته أمه اعتقدتك لا تحب الخروج من البيت ممازحة إياه. لأن حياته في القرية كانت ضيقة جداً لا يجد فيها مكان يفر إليه، إرتسمت على وجه الإبن إبتسامة تشوبها السنين والآلام التي ظلت تدك قلبه أمداً، رد لها: تلك الأيام ذهبت وهي لم تكن سوى تدريب لدخول الحياة. إنزوى الى غرفته وقد طرأت على باله الندوة الثقافية التي دُعى إليها. أحضر قلمه وورقة بيضاء وبدأ يدون أطروحته التي يود القائها. كتب: إن المطلوب هو حداثة جديدة تتبنى العلم والتكنلوجيا ولا تضرب القيم أو بإلغائية الإنسانية عرض الحائط، حداثة تحيي العقل ولا تميت القلب تنمي وجودنا المادي ولا تنكر الأبعاد الروحية لهذا الوجود، تعيش الحاضر دون أن تنكر التراث وهي مسألة صعبة لكن ليست مستحيلة، وأعتقد أن الخطوة الأولى نحو إنجاز هذه الحداثة الجديدة هو فصل الحداثة عن الاستهلاكية وعن مفهوم التقدم المادي، وربطها بمفهوم الطبيعة الانسانية والانسانية المشتركة، بحيث يمكننا أن نحدد هدفاً للحداثة غير الإنتاج، وفي إطار احتياجات البشر المادية والمعنوية وليس مجرد زيادة الاستهلاكية ونفس الشئ بالنسبة لمفهوم التقدم الذي يجب توسيع آفاقه بحيث يضم المادي والمعنوي والملموس والروحي، وبهذه الطريقة يمكننا أن نحقق مشروع الحداثة البديل وأن نحقق التقدم دون أن نفقد إتزاننا ودون أن ندمر الكون. بعدها ذهب للنوم مرت على ذاكرته أطياف من الماضي الذي لا يريد الزوال، أحس بظلام يقدح في جسده كان طافياً بلا حراك لقد داهمه شريط يوم النكبة حين مروا في طريقهم بالجثث والبيوت الخاوية حين مشوا على الأشلاء وتبعتهم بقاياها التي التصقت بأرجلهم. سمع أصوات قصف تأتي من بعيد وشخص يناديه إستيقظ هناك قذيفة سقطت على مقربة من مكاننا علينا التحرك في الحال. فتح صابر عيناه ليجد والداه واقفان أمامه وكان الجميع راكضين لاهثين حاملين الحقائب حاملين الأطفال وجرر الماء وأصيص الزهور. اكتشف أنه لم يعش في العاصمة سوى في خياله. كل ما في الأمر أن الشمس كانت قاسية والجميع تعبوا من المشي لذلك قرروا أخذ استراحة تحت أشجار وارفة. لكن صابر غط في نوم سحيق وبدأ ينسج آماله التي عجز عن تحقيقها في الواقع. لم تكن هناك مدينة ولا قاطنوها لم يجد صابر غير الغياب. لم يريد من عينه سوى إغماضة، عينٌ تحفظ له أحلامه ومدينته بين جفنيها. لقد إبتنى من السراب بيتاً وشيد جدرانه من اليقظة وبين يديه النوم والأرق كانا يتناوبان على رسم الحلم وهو يحبو صغيراً ملطخاً بالقلق.
تحرك الجمع نحو الشساعة كلها وخطا معهم صابر واهناً بقلب عانق ويلاته، كان يشعر بأبدية الممشى للامكان وكلما أشتد القصف كانت السكينة في قلبه أما والداه فكانا يمسكان بيداه لكن لم تكن تخرج منه أي قوة، لم يكن هو المخلص، لم يكن هو القائد، كان المرتجف مثلهم في العاصفة، نعم مثلهم كان مرعوبا لكنه حول رعبه الى سكينة ربما لما عايشه طوال حياته من حروب تخصه. لم يكن يتعبه المشي بل فكرة الهدف، ما يثقل مشيه ليس الأمتعة بل عناء تأويل الاحلام. إن حلمه قد إنكسر كسنبلة في يوم عاصف، كل شئ أخذ طريقه للنسيان بعدما أفاق، عدا دوي المدافع وصورة وجهه المليء بالأسى الخالد فيه الألم. إعترته رغبة في الرجوع الى القرية كمحكوم عائد للسجن بعد إطلاق سراحه، أراد العودة جاراً وراءه خيباته ونثار حطامه ليرفع رايته البيضاء أمام أحلامه. لكنه تذكر أن سكان كثيرون ماتوا هناك وكثيرون سيموتون اذا لم يخرجوا، إذن لم التوقف هنا، لذلك تابع المسير.


اترك تعليقاً