الكاتبة: الاء الريس
لم يكن في لندن ذلك اليوم أي شيء يشبه لندن. السماء رمادية بلا غيم، لكن الهواء ثقيل، لزج، يتشبث بالجلد. أجلس قرب نافذة الباص رقم 18، أراقب وجوه الركاب الشاحبة، أسمع أنفاسهم البطيئة. عند تقاطع ما، رجل ممدد على الرصيف، تحلّق حوله المسعفون، يرشون الماء على وجهه.
“برد برد برد…”
لا أعرف كيف وجدت نفسي في جاكسون.
أصوات المحركات تئن، الغبار يلمع في الشمس، والهواء ممتلئ برائحة البنزين والعرق.
رجل يمر بجواري، يرفع عالياً كاسات بلاستيكية مملوءة بعصير ليمون باااااااااارد، قطرات الماء تتدلى على أصابعه.
يهتف بصوت مبحوح، لكن فيه حياة:
“برد برد يا زوووول! ليمون باااااارد!”
ذلك الصوت لم يكن مجرد نداء للبيع؛ كان كأنه يخصني وحدي، يوقظ عطشًا قديمًا في حلقي، وذكريات كنت أظنها جفّت.
أتوقف لحظة، أتأمل وجهه الداكن اللامع بالعرق، وأتذكر طعم الليمون الممزوج بالسكر، البرودة التي تسري في الجسد كسلامٍ عابر.
من الجهة الأخرى، الكمساري يطلّ نصف جسده من باب الحافله، صوته يخترق الضجيج:
“ميناء بري… ميناء بري!”
أبتسم…
لا أعرف إن كنت أبتسم له، أم للخرطوم التي تبتلعك بزحامها وتحتضنك في الوقت نفسه.
أغمض عيني لحظة لأستنشق الغبار…
… فأفتحها، فأجدني مجددًا في لندن.
المحطة فاتتني.
هنا لا كمساري، ولا أحد يسمعك إن أردت أن تتوقف.
تصمت، تنتظر المحطة التالية… وتنزل.
نزلت من الباص عند المحطة التالية.
الحر يضرب وجهي كصفعة هادئة، والهواء ساكن، كأن المدينة حابسة أنفاسها.
خطواتي على الرصيف ثقيلة، لكن في أذني… لسه الصوت حاضر.
“برد برد يا زوووول! ليمون باااااارد!”
“ميناء بري… ميناء بري!”
ألتفت حولي، أرى واجهات محلات باردة الألوان، مقاهي تبيع القهوة المثلجة، لكن لا أحد ينادي، لا أحد يكرر الكلمة حتى تحفظها أذني.
أقف عند إشارة المشاة.
صوت سيارة الإسعاف يقترب، يمر بجانبي ويبتعد، فيتلاشى… لكنه يترك خلفه صدى يشبه صدى جاكسون.
أبتسم بلا سبب.
أعرف أنني، ولو للحظة، ما زلت هناك…
وسط الغبار، والزحمة، وكوب عصير الليمون البارد يبرد يدي.
أخفض نظري…
أكاد أصرخ.
في يدي اليمنى، كاسة بلاستيكية نصف ممتلئة بعصير ليمون باااارد، تتصبب قطرات الماء على أصابعي.
والأغرب…
أن على الغطاء ملصق مكتوب عليه بخط يدوي: “ميناء بري”.


اترك تعليقاً