من «الفجر» إلى «حديقة الكلمات»: لحظات باقية من قصّة الصحافة الثقافية في السودان خلال قرن

يونيو 26, 2026 | حاتم الكناني

نُشر هذا المقال في مجلة اتر في العدد ١٢٨ – بواسطة الكاتب : حاتم الكناني

مع اضطرام المشاعر الوطنية في السودان، في العقود الأولى من القرن العشرين، نشأت الصحافة السودانية، أدبيةً، ثقافيةً، اجتماعيةً، ومن ثمّ سياسية، كما يُخبرنا سِفْر المؤرّخ الاجتماعي حسن نجيلة «ملامح من المجتمع السوداني»؛ لكنه يُخبرنا أيضاً بأن كلَّ هذا كان قد حدث داخل الغليان الوطني في ذلك الزمان الذي نضج إدامُه في ثورة 1924. بهذا يمكن أن نؤرّخ للصحافة الثقافية في السودان بأنها أمضت قرناً من الزمان أو أزيد قليلاً تتشكَّل وتُعيد تشكيل معناها في النفوس؛ وتَخفُتْ حيناً وتزدهي في أحيان كثيرة، تتقلَّب ذات اليمين وذات الشمال، فتدفع المجتمع وتندفع بأحلامه، تُنقِّبُ في جمالياته وفنونه وآدابه وفكره، وحتى سياسته التي ظلَّت الصحافة الثقافية تؤثّر فيها وتتأثَّر بها، وتُشكِّل الرأي في أعمق المسائل وأخطرها؛ ما رفد المعرفة العامة والوجدان الجمعي. هنا نلقي الضوء على طرفٍ من قصة الصحافة الثقافية في السودان، خلال ما يقارب القرن، مُتوسّلين بلحظاتها الباقية، رغم آفة ضعف التوثيق التي لازَمَت البلاد، وشتات المصادر، الذي قد يغفل فيه الباحث في هذه العجالة الصحفية عن إصدارات ثقافية وشخصيات كانت لها يد السبق والنفع في هذا المجال.

منذ العشرينيّات: فجر البداية
غلاف العدد الرابع والعشرين (المجلد الأول) من مجلة النهضة (1932)، وغلاف العدد الأول (المجلد الثاني) من مجلة الفجر (1935).
من أرشيف دار الوثائق القومية، على موقع ذاكرة السودان

في نهاية عشرينيات القرن العشرين، أُسِّست جمعيات ثقافية وأدبية في أم درمان، كانت أبرزها جمعيتا «الفجر» و «الهاشماب». وأسَّس كلٌّ من عرفات محمد عبد الله ومحمد عَشري الصديق جمعية «الفجر»، بينما انخرط الخريجون الجدد في جمعية «الهاشماب». ورغم النزعة الأدبية والفكرية لتلك الجمعيات، استطاع أعضاؤها أن يَخرُجوا من إسار اللقاءات المنزلية المحدودة للمساهمة في تحرير مجلة «النهضة» السودانية لمؤسِّسها محمد عباس أبو الريش (1931-1932)، ومن ثمّ إصدار مجلة «الفجر» (1934-1937) وقد قام على رئاسة تحريرها عرفات محمد عبد الله، وكان لها دَور رائد في تعزيز الشعور القومي وتأثيرٌ كبيرٌ على الحياة الفكرية والأدبية، وأسهمت من خلال صفحاتها في بلورة القضايا الفكرية.

وفي أمر صدور المجلتين، يشير الأديب والصحافي والمُؤرشِف، نبيل غالي في حديثه لـ «أتَـر» إلى أنّ ميلاد الصحافة الثقافية السودانية كان على يد المجلات وليس الصحف السيّارة، نقيضاً للصحافة الثقافية التي نشأت في البلدان العربية آنذاك، والتي وُلِدَتْ وترعرعت في كنف الصحف.

«لقد كان عمر المجلّتين – الفجر والنهضة – قصيراً كما هو حال الصحف والمجلات السودانية بعامة، وكانت لهما الريادة في الصحافة الأدبية، وكانتا تحملان صفات «علمية وأدبية وفنية واجتماعية». واستطاعت المجلتان استكتاب أقلام من خارج السودان مع متابعة الحركة الثقافية في محيطها الإقليمي، إضافة إلى العديد من المواد الثقافية المُترجمة من القصة القصيرة والمقالة والشِّعر»، يقول غالي.

وفي الثلاثينيات أيضاً، صدرت مجلة «أم درمان» التي أصدَرَها المُؤرّخ محمد عبد الرحيم وعمل على تحريرها الشاعر التيجاني يوسف بشير.

لكن قبل ذلك، تلمس قارئة «ملامح من المجتمع السوداني»، هذا الشعاع في بواكير الصحافة السودانية، التي نشأت بالأساس على أيدي المهتمّين بالأدب والثقافة. يذكر حسن نجيلة صحيفة «الرائد» ورئيس تحريرها حسين قليلاتي، وهو شاعر وأديب وثيق الصلة بأدباء ذلك الجيل. وعلى صفحات «الرائد» التقى الشعراء السودانيون في المسابقات الأدبية التي تُقيمها. وفي 1919، أسَّس أحد رواد الصحافة السودانية، وهو حسين شريف، صحيفة «حضارة السودان»، أول صحيفة سودانية «دماً ولحماً»، كما يصفها صاحب «الملامح»، وكانت تصف نفسها بأنها «أدبية اجتماعية»، قبل أن تؤول ملكيّتها إلى السادة الروحيين السيد عبد الرحمن المهدي والسيد علي الميرغني والشريف يوسف الهندي لتكون أول صحيفة سياسية سودانية. وعلى صفحات تلك الصحف الباكرة دارت سجالات أدبية واجتماعية شارك فيها رواد الأدب السوداني والحركة الوطنية على السواء.

يُشير الناقد والأكاديمي د. أحمد الصادق برير في حديثه لـ «أتَـر»، وهو أحد كتاب الصحافة الثقافية منذ عقد التسعينيات، إلى أنّ من بدأوا إنشاء الصحف والمجلات وتحريرها هم بالأساس أبناء التجربة الثقافية والأدبية، وبهذا ليس غريباً أن تَظهر في تجربتهم الصحافية، لافتاً إلى الانفتاح في ذلك الوقت على الحراك الأدبي والثقافي في الإقليم، خاصة في مصر والشام والعراق، إذ كانت المجلات التي تنشر في تلك البلاد تُجلب إلى السودان عن طريق مصر.

وبالتزامن مع بدايات الصحافة الثقافية والصحافة بعامّة، بدأت دورية «السودان في رسائل ومدونات»، في يناير 1918، وهي – بوصف الصادق – «فكرية ثقافية أنثربولوجية برؤية استعمارية»، أرادت استيعاب جميع المناشط الثقافية في السودان وتوثيق اللغات والقبائل والمِلل والنحَل والآثار، لكنها استمرّت بشروط المستعمِر. وعلى الرغم من رؤيتها الاستعمارية، يؤكّد الصادق أنها تُعدّ مصدراً مهماً جداً للثقافة السودانية.

وحول مجلّتي «الفجر» و «النهضة»، يقول الصادق، إنهما رَصَدتا لحظات مُهمَّة في تاريخ تطوّر الصحافة الثقافية، ووضعتا الأسس الحقيقية لمُمارستها. ويضيف: «من استمرّوا من الرموز الثقافية إلى ما بعد الاستقلال هم من نشأوا أدبياً وفكرياً على منتج مجلّتي «الفجر» و «النهضة»، فمن منبر الصحافة السياسية الطاغية كانوا يواصلون الكتابة حول همومهم، وقد امتدّت ظلال تلك الفترة حتى الستينيات والسبعينيات».

يُشير الصادق أيضاً إلى صدور مجلة «الكلّية» في عقود الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات، ومعظم كتابها من طلاب كلية غردون آنذاك، ومنهم جمال محمد أحمد وفاطمة طالب وحاجّة كاشف، إضافة إلى صدور مجلّة «القافلة» في الخمسينيات، وهي مجلة نسوية من رموزها حاجّة كاشف وسعاد الفاتح وعدد كبير من السيدات النسويات، وهنّ من جيل المتعلّمات الأولَيات خريجات كلية غردون، ومن ثمّ تلَتها مجلة «صوت المرأة» التي كان لها اهتمام كبير بالجانب الثقافي.

ما بعد الاستقلال: بريق الازدهار

غلافا العددين الأول (1918) والحادي والثلاثين (1950)، مستخلصان من نسخ إلكترونية لمجموعة المجلة على موقع:
أرشيف السودان المفتوح

في الخمسينيات من القرن الماضي، صدرت صحيفة «الصراحة» لصاحبها الصحفي المخضرم عبد الله رجب، التي يشير نبيل غالي إلى أنّ لها دَوراً فاعلاً في الاهتمام بالصحافة الثقافية وخاصة القصة القصيرة. وبعد ما يُعرف بانقلاب 17 نوفمبر 1958، في عهد حكم الجنرال إبراهيم عبود الذي استمرّ لستِّ سنوات حتى ثورة أكتوبر 1964، يذكر غالي صحيفة «الثورة» لسان حال الحكم العسكري آنذاك، وقد «اهتمّت كذلك بالمواد الثقافية، وكانت تُفرد لها مساحات مقدرة».

ويَعدُّ غالي مجلة «القصّة» الصادرة في عام 1960 لمؤسِّسها عثمان علي نور، أهمَّ مجلة ثقافية في تلك الفترة، وصدر منها 15 عدداً ومن ثم توقّفت، إضافة إلى مجلة «القلم» لمؤسِّسها المؤرّخ والأديب حسن نجيلة وهي شهرية ذات طباعة فاخرة، واستقطبت أقلاماً لها بريقها من دول عربية عدّة، وكانت تُوزَّع داخل السودان وخارجه، لكنها أصيبت بدورها بعدوى موات المجلات، كما يُخبِر غالي، رغم صداها الكبير خارج المؤسّسات الأكاديمية والعلمية. ويُشير الصادق إلى ما وَصَفَه بالقفزة النوعية في الصحافة الثقافية منذ اندلاع ثورة أكتوبر 1964. وقد أظهرت مساحة الحرّية تلك أسماء كثيرة وازدهر النشر الثقافي، بإنشاء المطابع ودُور النشر.

بعد فراغه من دراسته بمعهد بخت الرضا ليكون مُعلِّماً بالمرحلة الوسطى في 1971، بمدة قليلة، قرَّر الروائي والقاص والصحافي الثقافي عيسى الحلو، التفرّغ للكتابة والصحافة الثقافية، مبتدراً بذلك رحلته التي استمرّت قرابة الخمسين سنة، حتى رحيله في يوليو 2021. يقول الصادق عن الحلو إنه نموذج للتفاني والانتماء الحميم للصحافة الثقافية: «فمن جُبَّة عيسى الحلو خرج عدد هائل من الصحفيّين الذين تدرّبوا في صحافة الأخبار والتحقيقات والمنوعات والرياضة، وقد ربَّى أجيالاً من الصحفيين والمحرّرين الثقافيين الذين يعرضون الكتب ويستكتبون الأكاديميين».

ومن بعد عيسى الحلو، برز الناقد عبد القدوس الخاتم الذي عمل ردحاً طويلاً في الصحافة السودانية، وعند التحاقه بالسفارة السودانية في لندن، ظلَّ يرفد الصحافة السودانية بمقالاته وترجماته الشعرية من الإنقليزية والروسية وعروض الكتب. «لقد أضاف هؤلاء أبعاداً للعمل في الصحافة الثقافية، خارج أن تكون بوقاً للسياسة»، يقول الصادق؛ ومن ثمّ يضيف: «صدر أول عدد لمجلة «الخرطوم» في 1965 عن وزارة الإعلام والعمل، في عهد عبد الماجد أبو حسبو، التي أنشأت المسرح القومي وفرقة الفنون الشعبية، وأقامت دراسات جدوى لإقامة متاحف قومية، وقد أُنشئت لاحقاً. كان هذا كلّه نابعاً بالأساس من الصحافة الثقافية التي كانت حينها منبراً يلفت نظر المسؤولين والدولة إلى مثل هذه المشاريع. وفي الستينيات أيضاً ظهر التلفزيون، وكانت السينما حاضرة في المشهد بقوة. وجميع هذه المنابر كانت روافد للصحافة الثقافية».

ويشير الصادق إلى «وحدة دراسات السودان» التي أسسها أكاديميون يهتمّون بالتراث السوداني، والتاريخ، والآثار، والموسيقى، والحكايات الشعبية، وهو ما تحوَّلَ لاحقاً إلى «معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية»، وكان مرتبطاً ارتباطاً عضوياً بالصحافة الثقافية، ويرى الصادق أنه أدّى دَوراً كبيراً في لفت الناس والقراء إلى جوانب أخرى بإصدار سلسلة «دراسات شعبية».

يقول الصادق: «كان هناك ثراء غير عادي في الستينيات في مجال الكتابة عن التشكيل السودان، وأذكر هنا مقالات الأستاذ مبارك بلال عن الفنون والرسم والتصوير والنحت، إضافة إلى مقالاته عن تصميمات الإعلانات وتخطيط المدن».

وخلال عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري الذي بدأ بانقلاب عسكري في مايو 1969، واستمرّ 16 سنة حتى انتفاضة أبريل 1985، يقول غالي إنّ «الثقافة السودانية شهدت حضوراً ساطعاً من حيث المهرجانات الثقافية والطباعة والنشر ومعارض الكتب والمعارض التشكيلية والمسابقات الأدبية والفنية، فكانت للمسرح مجلة، وللسينما مجلة، وللموسيقى والغناء مجلة، إضافة إلى مجلات «الثقافة السودانية» و «الخرطوم» و «الإذاعة والتلفزيون» و «الشباب والرياضة». وقد أسهمت مجلات ذلك الزمان في الدفع بعجلة الآداب والفنون إلى الأمام، إذ رسّخت أقدام الروّاد في القصة والنقد والشعر من جيل الستينيات وأشرقت مواهب من حقبتي السبعينيات والثمانينيات، وكان للروابط والاتحادات والجماعات الأدبية موقعٌ مؤثرٌ في ذلك الفضاء الثقافي، من مثل رابطة سنار الأدبية ومجلتها الشهرية «الزرقاء»، ورابطة الجزيرة للآداب والفنون ومجلتها «الأوسط»، ورابطة أولوس في الشرق ومجلتها «أولوس»، وروابط وعطبرة وبورتسودان وجنوب دارفور؛ فضلاً عن صدور الملفات الثقافية بالصحف».

يضيف غالي: «لا شكَّ أنّ من أبرز الملفَّات الثقافية كان الأيام الثقافي والصحافة الثقافي، وكانا يصدران مطلع كل شهر في 16 صفحة إبان العهد المايوي، وتستحقّ هاتان التجربتان من النقاد وطلاب الدراسات العليا استحضار تمظهراتهما الثقافية».

وفي منتصف السبعينيات، يلفت الصادق إلى ظهور عدد كبير من النقاد الأدبيين والفكريين المحترفين، مثل الدكتور علي المك الذي كان مشرفاً على أحد الملاحق الثقافية حينها، وبروفيسور يوسف عيدابي والناقد الأدبي عبد القدوس الخاتم الذي ظهر ناضجاً ومُصدراً كتابه الأول «دراسات نقدية» وكذلك الدكتور محمد عبد الحي الذي عمل رئيساً لتحرير مجلة «الثقافة السودانية» وتقلّد منصب مدير مصلحة الثقافة أواخر السبعينيات. كذلك برز عدد كبير جداً من جيل تالٍ مثل أعضاء رابطة الجزيرة للآداب والفنون مثل مجذوب عيدروس ومبارك الصادق، ومن رابطة سنار الأدبية الصحافي والقاص نبيل غالي.

منذ 1977، داومت مجلة «الثقافة السودانية» على الصدور حتى عقد التسعينيات، وظهرت فيها أسماء كبيرة من الباحثين وعارضي الكتب، وسبقتها مجلة الخرطوم منذ 1965، حيث نُشرت لأول مرة رواية «عرس الزين» للطيب صالح، ورواية «أخبار البنت مياكايا» لإبراهيم إسحاق، ومجلة «الإذاعة والتلفزيون والمسرح» وكان على رأسها الشاعر محمد مفتاح الفيتوري، وظهر فيها كُتّابٌ أصبحوا لاحقاً مُحرِّرين ومشرفين ثقافيين مثل مجذوب عيدروس ونبيل غالي، هذا إضافة إلى قصّاصين مثل سامي سالم وعبد اللطيف علي الفكي وهاشم محجوب ومحمد عثمان عبد النبي. يقول الصادق: «زاد في تلك الفترة عدد الأكاديميين ممن ترجّلوا من برجهم العاجي وانخرطوا في الصحافة اليومية»، ويضيف: «أذكر أنّ الشاعر عبد الرحيم أبوذكرى كان واحداً ممّن رفدوا هذه الصحافة بمقالات وحوارات وترجمات شعرية وأكاديمية في السبعينيات، حتى أصبح مديراً لتحرير مجلة الثقافة السودانية».

في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات، انفجر المشهد المستند إلى هذا التراث الطويل، وظهر جيل أقام حوارات وسجالات عميقة في مجلة «الثقافة السودانية»، يستدعي منها الصادق السجال حول «الأدب السوداني وجدوى التقسيم المدرسي» في أواخر السبعينيات. وكذلك مجموعة مقالات لدكتور نور الدين ساتي بعنوان «الحوار بين مكونات الثقافة السودانية» ناقشت التعدد والاختلاف والثقافات السودانية والأعراق. ويذكر أيضاً السجالات الأدبية بين الراحلين كمال الجزولي وسامي سالم في جريدة «الصحافة» في مطلع الثمانينيات، وكانت سجالات معرفية خارج الأيديولوجيا، بحسب وصفه.

غلاف العدد السابع (1960) من مجلة «القصة».
من أرشيف المحرر

بعد انتفاضة مارس أبريل (1985) ظهرت مجلة «الأشقاء» وعلى رأسها سامي سالم وأحمد الطيب عبد المكرم، ونَشَر فيها الشعراء محجوب كبلو والتيجاني سعيد ومحمد نجيب محمد علي. يقول نبيل غالي: «تمخّضت الديمقراطية الثالثة عقب انتفاضة مارس أبريل عن ميلاد صحف جديدة مثل «السياسة» و «الجريدة» إضافة إلى تلك الصحف المخضرمة آنفة الذكر، وقد حملت جميعها في تضاعيفها صفحات أدبية وملفات ثقافية، كما تواصل صدور مجلة «الخرطوم» مع مجلات أخرى جديدة غلب على تحريرها النبض الثقافي بَيْد أنها تساقطت في فترات قصيرة».

يُشير الصادق إلى حوارات «مُدهشة» مع عبد الله بولا أجراها عيسى الحلو في تلك الفترة، إضافة إلى حواره الشهير مع بروفيسور صبري يوسف، وهو أحد ألمع الأكاديميين السودانيين ومتخصّص في الفلسفة وعمل أستاذاً في جامعة السوربون. يقول: «كان هذا الحوار مستفزاً بمعارفه الضخمة في الماركسية والوجودية والثقافات واللُّغات المُتعدِّدة. كما هزَّ هذا الحوار جسد الصحافة الثقافية ورفع من قيمة الحوار الصحفي الثقافي على صفحات الأيام الثقافي بعد الانتفاضة».

«لقد جلبت الصحافة الثقافية الأكاديميين من أبراجهم العاجية إلى صفحات الصحافة اليومية، ما نقل الكتابة عن الآثار والتاريخ والسياسة والخطاب والنقد ونقد النقد والنقد الفكري والأدبي إلى جمهور القراء. وتميّزت الصحافة الثقافية في السودان على نظيراتها في الإقليم، وفوق ذلك أرست فلسفة الحوار في المجال الثقافي والفكري والعلمي»؛ يقول الصادق ومن ثم يضيف: «ينبغي أن ننظر إلى مسألة الصحافة الثقافية باهتمام ومسؤولية لأنّ لها دوراً معرفياً وتنويرياً».

ويتساءل نبيل غالي: «ما الذي يمنع أن نرى رسائل ماجستير ودكتوراة عن الصحافة الثقافية السودانية. إنّ الملفات الثقافية بصحفنا تُعَدُّ من الوثائق المُهمَّة في تاريخ السودان. لقد لاحظتُ خلال عملي بالصحف لأكثر من ثلاثين سنة أنّ العناية بالأرشيف الصحفي تُعاني ضعفاً وهشاشة، فكلّ صحيفة توقّفت عن الصدور يختفي أرشيفها من الحضور مع ضعف بنية الحفظ والأرشفة والافتقار إلى الموظفين المختصّين بالأرشفة».

أخذت أغلفة مجلات «مجلات الإذاعة والتلفزيون والمسرح» و«الخرطوم» و«الشباب والرياضية» من موقع ذاكرة السودان

أخذ غلاف «الثقافة السودانية» من صفحة ثقافة سودانية على منصة X

ما بعد 1989: خفوت ثمّ انبعاث

بعد انقلاب نظام الإنقاذ في 30 يونيو 1989، سيطرت الحكومة الجديدة على جميع المنافذ الثقافية، فأوقفت جميع الصحف التي كانت تصدر في العهد السابق لتحلَّ محلها صحيفتا «الإنقاذ الوطني» و «السودان الحديث»، وكانتا لسان حال الانقلاب، إضافة إلى صحيفة «القوات المسلحة» التي كانت تصدر سلفاً قبل ذلك. كذلك أصدرت الحكومة مجلّتي «الملتقى» و «عزّة»، وكانتا تنشران محتوى سياسياً وثقافياً وفنياً موجَّهاً. يقول نبيل غالي إنّ صحيفتي الإنقاذ الوطني والسودان الحديث «ساهمتا في الحراك الثقافي الإنقاذي بما حوَتا من مواد لأقلام كانت منتمية إلى الجبهة الإسلامية شيباً وشباباً، ومع ذلك أتيحت مساحات لأقلام أخرى مُعتَّقة وغير منتمية إليها للإشراف على ملفات ثقافية، ومنهم كتاب معروفون من قَبل مثل عيسى الحلو ونبيل غالي ومعاوية البلّال وسواهم».

متحدّثاً لـ «أتَـر»، يقول الكاتب والمحرّر الثقافي عثمان شنقر الذي انخرط في الصّحافة الثقافية منذ مطالع التسعينيات مستعيداً مشهدها حينئذٍ: «لم يكن أمام المُحرِّر الثقافي، إزاء هذا الواقع الفقير، سوى ابتكار فعاليات أو منتديات، أو إجراء حوارات أدبية مع القلّة التي لم تغادر البلاد بعد». ومن ثم يضيف: «كنّا نبتكر داخل صالة التحرير فعالية أدبية أو فكرية، ندعو إليها عشرة من الكُتَّاب، وغالباً ما يَحضُر حوالي 3 إلى 5 فقط، لبحث مسألة ثقافية أو أدبية ما. وبعد نهاية المنتدى، نُفرّغ محتوى أشرطة التسجيل، وننشر المادة في الصحيفة بحسبانها فعالية ثقافية قامت الصفحة الثقافية بتغطيتها وإثارة الأسئلة حولها».

وعلى هذا المنوال، كان شنقر ورفقاؤه من المحرّرين الثقافيين يطلبون من بعض كُتَّاب الأعمدة والمقالات في الأقسام الأخرى من الصحيفة، التعليق على موضوع الندوة، بغية إثارة الجدل واستدامة الحوار الفكري. يضيف: «كان البعض يُعلّق، أما الغالبية فكانت تتغاضى عن التعليق».

وعلى هذا النحو – يقول شنقر – كانت العاملون في الصحافة الثقافية، في تلك الفترة – وهم قلة قليلة – يبتكرون الحلول لتقديم عمل ثقافي يرضي القارئ. وكانوا يفلحون أحياناً، ويتعثّرون أحياناً، بَيْد أنّ التجربة كانت تمضي قُدماً، لتقديم خدمة ثقافية متكاملة قدر الإمكان.

في تلك الحقبة، أسفرت العقوبات والمُقاطعات ضدّ النظام الحاكم، عن تنازلات في عدّة مجالات، في مقابل إحياء العلاقات مع العالم الخارجي، ومنها: إتاحة بعض الحريات، ما فتح الباب أمام الصحافة، إذ أُتيحت الفرصة لتأسيس وإعادة إصدار صحف مستقلّة منذ منتصف التسعينيات.

يربط نبيل غالي بين التحوّلات السياسية في عهد حكومة الإنقاذ، في عشريتها الأولى، والمساحات الممنوحة للصحافة بعامة والصحافة الثقافية بوجه خاصّ: «حينما تراخت قبضة الإنقاذ من عنق الصحافة بعامّة وجدَت صحف جديدة متنفّساً لها مثل التيار والحياة والشارع السياسي والسوداني والصحافة والرأي الآخر والحرية والرأي العام والأيام. وأخذت هذه الصحف على عاتقها تقديم خدمة ثقافية من خلال الملفات والصفحات الأدبية، كما لقيت مجلات في الألفية الثالثة تُعنَى بالصحافة والفكر طريقها إلى القارئ مثل «الخرطوم الجديدة» و «أوراق جديدة» وكلاهما تصدران عن جهة حكومية. وفي خضمّ هذا صدرت جريدة «القصة» ومجلة «سرديات» من نادي القصة السوداني باليونسكو».

وبَرَزَ في الملفات الثقافية لتلك الصحف العائدة والمُستجَدَّة عدد من الأدباء والشعراء، وظهر جيل آخر من المحرّرين الثقافيين، كان أبرزهم الصادق الرضي وعثمان شنقر وأسامة عباس ومحمد الربيع محمد صالح وعامر أحمد حسين وأحمد عوض خضر ومحمد إسماعيل ومصعب محمد علي وخالد كمتور، إضافة إلى محرّرين ثقافيين مخضرمين مثل مجذوب عيدروس وعيسى الحلو ونبيل غالي ومحمد نجيب محمد علي وأحمد الطيب عبد المكرم. واشتهرت ملفات «الأيام» و «الأضواء» و «الصحافة» و «الصحافي الدولي» و «الرأي العام» و «الحرية» ومن ثم «الأزمنة» و «الخبر» و «الخرطوم» و «الوطن» و «الشاهد» و «السوداني» لاحقاً. ومع الميلاد الثاني لاتحاد الكتاب السودانيين، في العام 2006 صدرت عنه مجلة كرامة؛ وظل يصدرها مُتقطِّعةً حتى بعد إيقافه مرة أخرى من السلطات في 2015.

يقول مأمون التلب في كتاب مُعَدٍّ للنشر تحصّلت «أتر» على نسخة منه، وهو من الجيل التالي من المحرّرين الثقافيين الذين أعقبوا محرّرين ثقافيين، كأسامة عباس والصادق الرضي وعثمان شنقر ومصعب محمد علي، إنّ هذه الأسماء «سيطرت على ملفّات ثقافيّة مهمّة، وكانوا بعضَ من تبقَّى من أجيال الهجرات الكبرى منذ انقلاب الحكم في 1989، مروراً بالتسعينيّات، وعندما أتينا للساحة لم نجد غيرهم مُتنفّساً، للنشر كما للقراءة. بلد كامل خالٍ من المجلات الثقافيّة، حيث تُحفظ النصوص المنشورة بين غلافين سميكين وورق مُحترم، يحفظ موادّها كما تُحفظ الكتب. كان علينا أن ننتظر حتّى العام 2016 لتصدر مجلة الحداثة السودانية بثوبها القشيب».

ويضيف التلب: «العمليّة التي قام بها هؤلاء وغيرهم، هي عمليّة إنقاذ وانتشال حقيقيّة، وحلقة وصل بين الكتاب في جيلنا. من بسالتهم وصمودهم في مهنةٍ قليلة الأجر بصورة لا تُصدّق مقارنةً بالمبالغ الهائلة التي يتلقّاها كُتّاب الأعمدة السياسيّة والعاملين في أقسام الأخبار والسياسة، وحتّى صفحات «الفنون»، كذلك كافحوا ليحافظوا على تقليد وجود الملف الثقافي بالصحيفة نسبةً لارتفاع التوزيع -الذي لم يخبرونا عنه أبداً- في يوم صدوره».

يعود، الكاتب والصحافي الثقافي عثمان شنقر، ليستشهد بإفادة قدّمها محمد إبراهيم نُقد، سكرتير الحزب الشيوعي السُّوداني، بشأن تجربة الصحافة الثقافية في السودان، والأدوار الحيوية التي مارسَتْها، ورَدَتْ ضمن حوار مطول أجراه مع نُقد الصحفي عمر العمر لصحيفة «البيان» الإماراتية، في مطلع الألفية الثالثة؛ ونُشر في كتاب صادر عن دار عزة للنشر عام 2003 بعنوان «حوار حول الدولة المدنية». يشير نُقد إلى تقدّم الصحافة الثقافية، في بعض الأحيان، على تجربة الأحزاب السياسية، مُقرّظاً تجربة الصحافة الثقافية في فترة التسعينيات ومطلع الألفية الثالثة، وقال إنّ الصفحات الثقافية والملاحق الأدبية في الصحف قامت بأدوار جليلة في ما يتصل بتقديم معارف نقدية وفكرية جمّة بشأن قضايا التنوع الثقافي والإثني في البلاد، فضلاً عن إثارتها مشكلات فكرية أخرى لا تقلُّ شأناً ذات صلة بمفهوم الهامش والمركز والديمقراطية وحقوق الإنسان.

يضيف شنقر مُعلِّقاً على حديث محمد إبراهيم نقد: «أعتقد أنّ هذه شهادة ينبغي أن يعتزَّ بها جميع المحرّرين الثقافيين الذين عملوا في تلك الفترة في الصحف. والواقع أنَّ الصحافة الثقافية في فترة التسعينيات، التي كنتُ واحداً من جنودها، كانت تعمل في أجواء قاتمة، وبلا مُعينات. لم تكن هنالك فعاليات ثقافية تُذكر، وليست هناك دُور نشر، ولا مجلات فكرية وثقافية. وحتّى المجلات الثقافية والكتب الأدبية والفكرية التي كانت تفد إلى السودان من لبنان وسوريا والعراق ومصر كانت قد توقّفت».

مجلتا «سرديات» و«أوراق جديدة»

من أرشيف المحرر

وفي منتصف التسعينيات ظهرت صحيفة “ظلال” على مقاس تابلويد بطابع ثقافي واسع يحتوي السياسة؛ إضافة إلى دراسات في الموسيقى والغناء ومقابلات مع الفنانين، وشكلت قفزة في الموضوعات المقدَّمة والتحرير. وساهم في تحريرها وكتابة أعمدتها نخبة من رواد الصحافة والأدب السودانيين، منهم: هاشم صديق، المكي، وعثمان جمال الدين.

في أواخر الثمانينيات صدرت صحيفة «سنابل» ومن ثم توقّفت لتصدر مرة أخرى منتصف تسعينيات القرن العشرين، من بيت الثقافة في الخرطوم شرق، وكان على رأسها الصحافي عادل الباز، وضمَّت مجموعة كبيرة من الصحافيين والمُثقَّفين في طيفٍ صحفيٍّ فريد يذكر منهم مدير تحريرها د. اليسع حسن أحمد، فوزي بشرى وأمير صديق ومحمد الربيع محمد صالح وعبد المنعم أبو إدريس والشيخ يوسف وشمس الدين يونس. واستكتبت كذلك أقلاماً ذات وزن مثل الدكتور أحمد عبد العال وأحمد الطيب زين العابدين، وبروفيسور عبد اللطيف البوني. بدأت الصحيفة أسبوعية ثم تحوّلت إلى مجلة لكنها كغيرها من الإصدارات الثقافية في السودان لم تعمّر.

متحدثاً لـ «أتَـر» يقول مدير تحريرها د. اليسع حسن أحمد، إنها تجربة أظهرت أهمية الثقافة في تنوير المجتمع السوداني وترميم شروخه، ويضيف أنّ الصحيفة نالت دعماً كبيراً من مدير الإذاعة حينها صلاح الدين الفاضل، الذي كان يشتري 100 نسخة إكرامية أسبوعية؛ لكنها مثل غيرها قامت على مجهود فردي ونضبت مصادر تمويلها فتوقّفت، وغادر القائمون عليها إلى خارج السودان واستوعبتهم مؤسسات إعلامية كبرى كقناة الجزيرة ومجلة الدوحة القطرية.

على تخوم الألفية: جيلٌ جديدٌ

قادماً من تخوم الحياة الجامعية، في بدايات الألفية الثالثة، بدأ المحرّر الثقافي مأمون التلب رحلته بقصيدة نُشرت في صحيفة «الحرية». يقول التلب في مخطوطة كتابه التي أرسلها لـ «أتَـر»: «عند وصولي إلى طابق الصحيفة في العمارة العالية بالسوق العربي، مقطوع الأنفاس، رأيتُ استقبال صحيفةٍ لأول مرةٍ في حياتي – 21 عاماً حينها – وخطوت بوجل إلى الموظّف الذي كان يبدو مشغولاً جداً، فالمقاعد مشغولة أيضاً. كان الشاعر الكبير الراحل سعد الدين إبراهيم يعمل في إدارة تحرير الصحيفة، ويكتب عموداً مقروءاً في الصفحة الأخيرة، وهو على صلة بالكاتب علي عيسى الذي أوصاني بأن أسلّمها له. سألت الموظّف عنه فقال إنه غير موجود. وسألني بينما يتفحّصني: انت عايز شنو؟ رددت: القسم الثقافي. فقال: في أسامة عبّاس، خليني أناديهو ليك، اتفضل. تلك كانت صحيفة (الحريَّة) التي بدأت مسيرتها بدايات القرن، وكانت حينها محتشدة بأسماء الكتاب السياسيين المعارضين، وكانت أغلبيّتهم من اليسار، وبذلك أُتيحت الفرصة لتأسيس ملف ثقافي من أربع صفحات كاملة، تحت إشراف الشاعر أزهري الحاج وأسامة. كان الملفّ ساحراً، وأسامة كان في قمّة تألّقه وابتكاره وانفتاحه الجبَّار».

بعد ذلك بسنوات، في 2005، كان التلب يتعلّم أساسيّات التحرير الثقافي على يد الشاعر الصادق الرضي في صحيفة «السوداني». وفي 2006 أنشأ قسماً ثقافيّاً بصحيفة «الأحداث»، يُصدر صفحتين أسبوعياً، ولاحقاً ملفّاً ثقافيّاً بأربع صفحات عقب التحاق الشاعر أحمد النشادر بالقسم الثقافي بالصحيفة. استمرَّ ملف «تخوم» الثقافي بصحيفة «الأحداث» اليوميّة لأكثر من 6 سنوات، ووصل عدد صفحاته إلى ثماني صفحات، ومرّ عبر مراحل متعدّدة ومختلفة، وأشرف عليه كُتَّاب ومحرّرون مختلفون من بعدهما، منهم محفوظ بشرى وأنس عبد الرحمن وعمّار جمال وكمال الصادق الحاج وياسر فائز.

يقول التلب: «كتبتُ عن العالم الآخر بانفتاحٍ في بدايات كتاباتي بملف تخوم الثقافي، تحت عنوان «تنقيب الظلام»، وكانت معظمها مقالات أدبيّة يختلط فيها حابل الواقع بنابل خيالات الكتّاب والسينمائيين والفنانين وغيرهم؛ أنظر اليوم إلى كتابةٍ بعنوان «ضدَّ الحياة»، وأتذكَّرُ أن اللامبالاة الحُرَّة التي كنتُ أكتبُ بها كانت نابعة من غياب الجمهور التّام». ويضيف: «كانت الحريّة كذلك نابعة من النصوص والمقالات والترجمات التي ترد إلينا في استقبال الصحيفة، والحوارات والتحقيقات التي يبتكرها أحمد النشادر ابتكاراً أربك إدارة تحرير الصحيفة».

قَدِمَ أحمد النشادر حينها إلى التحرير الثقافي من سوح كلية الطب، قارئاً للملفات الثقافية وكاتباً للقصة القصيرة والشِّعر ومُنجرفاً نحو موجة الأدب. يقول في حديثه لـ «أتَـر»: «كنتُ جائعاً للأدب بشكل كامل، لأنني نشأتُ وتربَّيْتُ في نظام ديني مغلق، ولم تُتَحْ لي حينها الكتب الأدبية. وعندما اكتشفتُ المكتبات العامة بدأت أقرأ الكتب الأدبية، إضافة إلى الملاحق الثقافية المتاحة في ذلك الزمان. نُشِرَت لي بعض النصوص من القصص القصيرة والشعر، ولم يكن أمر النشر في تلك الملفات مُستَسْهَلاً لأنها كانت ملفات مُحكَمة إذا جاز لي التعبير».

تعمّقت أواصر الأدب بين النشادر وأسامة عباس، وكان الأخير يعمل حينئذٍ في ملف صحيفة «الأضواء الثقافي». يقول النشادر: «كنتُ مُتدرّباً غير رسمي في الصحيفة تحت رعايته، أرى كيف يجري إعداد الملف الثقافي الأسبوعي». ويضيف: «لم أكن أريد أن أخرج حينها من نطاق الأدب مطلقاً، وعندما جاءت سنة التخرج لم يكن للطبِّ مكان في تفكيري، فالأدب كان مكاني الطبيعي. كنت أتابع مع أسامة، وقضيت جزءاً من فترة الامتياز في بورتسودان ولم أكملها، ومن ثم جئت قافلاً إلى الخرطوم». في تلك الفترة بدأ مأمون التلب الإشراف على ملف تخوم بصحيفة الأحداث، فباشر العمل معه في الملف. «حينها كنت مؤمناً بمقولة طاقة اليأس لجان جينيه أو بتعبير أسامة عباس: أن تكون يائساً بإرادة جبارة». لقد دخل النشادر إلى هذا المجال، دون توقُّعات، وكذلك من دون أي تصورات عن المادة الصحفية: «كان الملفُّ أشبه بالمغامرة، وطريقة جديدة لتقديم المواد أو طريقة جديدة لتغطية الحدث التشكيلي أو المسرحي أو الشِّعري. هكذا تتشكَّل المفاجأة للجميع، لنا وللقراء. كُنَّا نعمل بطاقة الشِّعر نفسه وهي طاقة لا نهائية، لأن المقابل المادي في الصحيفة للمُحرِّر الثقافي كان ضعيفاً جداً بالمقارنة بصحفيّي بقية الأقسام في الصحيفة».

ومع كلِّ هذا لم يكن النشادر يتصوَّر العمل بالملف الثقافي منعطفاً في حياته، لكنَّ نوع هذا العمل في الوقت ذاته طرح عليه سؤال الكتابة، إذ يطوّع الأديب جزءاً من كتابته الشعرية أو القصصية أو طاقتها لمصلحة الكتابة الصحافية. يُجيب النشادر عن ذلك السؤال، الذي قد يخطر لكلّ أديب وصحافي في آن: «يُمكن مُقاومة ذلك التأثير بمُواصلة القراءة والاطلاع والإصرار على الابتكار في التغطية الصحفية». هنا أصبح العمل في الصحافة الثقافية منعطفاً بالفعل في حياته العملية، وإن كانت لديه تصورات للعودة إلى مجال العلوم الطبية من باب آخر كالفلسفة مثلاً.

يقول: «ربطني الملف الثقافي بفنون العمل الصحفي الكلاسيكية، كالتقرير والخبر والحوار وما إلى ذلك، ووجدتني بذات القدر مُتحرِّراً من هذه التقاليد، مع الإصرار على إنتاج المُختلف داخل الصحافة. تعلَّمتُ من العمل في الملف كثيراً عن الثقافات السودانية، وتعرَّفتُ على المشهد المسرحي والتشكيلي في السودان ودخلتُ في حوارات مع أجيال أو وجهات نظر متنوعة في الفن الواحد سواء أكان شعراً أم مسرحاً أم رواية أم تشكيلاً. ووصل الملف إلى ثماني صفحات أسبوعياً».

يصف النشادر العلاقة بين المحرر الثقافي وأقسام الصحيفة الأخرى: «كان البعض يرون المحرر الثقافي كائناً من عالم آخر، فضلاً عن أن الآراء حول ما يُنشَر في الملف كانت متباينة جداً. ومع ذلك كان لدينا حلفاء سرِّيّون داخل الصحيفة وخارجها. كنا نجد المساحة التي نُريدها، لكن في المقابل لم نكن نجد غير مُقابل مادي ضئيل ولا يُقارن ببقية زملائنا. لقد كان أقل من ثلث ما يتلقاه أحدهم في الأقسام الأخرى، كنا نرى موقعنا بوضوح في هرم التراتب داخل الصحيفة. تُرى هل كانت إدارة الصحيفة ترانا فرحين بما نقدّمه وبما هو متاح من مساحة؟».

لكنّ وجهة هؤلاء الشعراء والمحرّرين الثقافيين نحو العمل بمقابل ضئيل كانت مختلفة. يقول النشادر: «كُنَّا نحرص على تقديم مادة ثقافية فيها شيء من الجدة. وللمفارقة اكتشفنا أنّ توزيع الجريدة يتضاعف في يوم الملف الثقافي في أكشاك الصحف في مدني والخرطوم وغيرها من المدن. لقد اكتشفنا هذا من خلال بيانات التوزيع وأصحاب الأكشاك والقراء أيضاً، الذين يحجزون العدد كل ثلاثاء. كان الملف يقوم بعبء المنفذ الثقافي الذي كان يمكن أن تقوم به المجلة».

يقارب النشادر بين زمنين، فهناك الزمن الأفقي الذي تَحْدُث فيه الأحداث والفعاليات الثقافية التي يَتعيَّن على المحرّر الثقافي تغطيتها، والزمن الرأسي – يُسمِّيه الحدث الصاعد – الذي تستعيد فيه المادة الثقافية القضايا القديمة والمُتجدَّدة، مثل نشر مقال أو حوار عن تيار الغابة والصحراء أو نظرية الهامش والمركز، ما يجعل المحرّر الثقافي مُصغياً إلى التغيّرات في المصطلحات والمفاهيم والنظريات ودلالاتها، تلك الأحداث الصاعدة التي يراها النشادر تُغيِّر عميقاً في الذوات، ما يجعل المحرّر الثقافي على الدوام في موقع الفعل النقدي للمفاهيم والمؤسسات، وهو ما يتطلَّب نوعاً من الدقة وتجاوز الثنائيات لمُحايَثة كُلِّ حدثٍ ومكوناته الداخلية.

يرى النشادر أنّ ملف «تخوم» كان أشبه بنداء بحسب نوعية المواد المقدَّمة ومقدرتها على الابتكار، فقد كان كثيرٌ من الأدباء والمساهمين يقدّمون أعمالهم طواعية في مكاتب استقبال الصحيفة، وكذلك من يُستَكتبون كانوا يُوافقون مباشرة على الكتابة والنشر دون أن يُطالبوا بمقابل، مع الوضع في الاعتبار أن المشرفين على الملف أنفسهم لا يجدون إلا قليلاً من المال مقابل هذا العمل.

«هذا وضع ليس سليماً لأنّ الصحافة والسياسة السودانيتين نشأتا داخل أحضان الأدب، لكنْ كلَّما أوغلت الدولة السودانية في ظلماتها همَّشت الثقافة والأدب»؛ يقول النشادر معلقاً على أوضاع المحرّرين الثقافيين المادية، ويضيف: «كنا في فردوس الحضيض أو سكّان الكونكا الصحفية أو مركز الكون (نسخة الكونكا) وتلك الحرية التي تأتي ولا أحد يُتوقَّع منها شيء خيراً أو شراً».

ومع ذلك، لم يمضِ كدح النشادر والتلب، وغيرهما ممن أشرفوا على ملف «تخوم» دون تقريظ من رئيس تحرير صحيفة «الأحداث» عادل الباز، في مقال بعنوان «نقوش على تخوم الأحداث» نُشر في مايو 2012: «طريقة إدارة الملف – يعني تخوم – نفسها كانت قصة من الإبداع؛ إذ لم يتجاوز القسم الثقافي في الأحداث صحفيَّين اثنين كانا قادرَين دوماً على صنع مادةٍ ثقافيةٍ على درجة عالية من الجودة. ليس ذلك فحسب، بل كنتُ أُدهَشُ لمقدرتهما العجيبة في استقطاب كتّاب رائعين كُثُر لأول مرة يتعرّفهم الوسط الثقافي. هذا ملحق ثقافي محظوظ، إن غاب مؤسِّسُه التلب جاء النشادر، وإذا مضى جاء محفوظ بشرى، ثم جاء من بعدهم أنس عبد الرحمن، وكلهم كانوا منتجين للإبداع وذوي معرفة عميقة بالإنتاج الإبداعي. لقد أسهم ملف تخوم بفضل كبير في إضافات ثقافية نوعية لذاكرتي الإبداعية، استمعت فيه للغة جديدة، وتعرفت فيه على كتاب جدد وطرائق كتابة جديدة. تعلمت كثيراً من تخوم، واستمتعت بقراءته على مدى أربعة أعوام. بلا شك لدى تخوم ومبدعيها الكثير، ولا يزال هناك ما يستحق ومن يستحق أن يُكتَشَف ويُقرَأ بحبٍّ وعمق. شكراً للرائعين الذين أسّسوا الملف، والذين أثروه بإبداعاتهم على تربة تخوم ستنمو وتزدهر فكرة أن تكون مختلفاً ومبدعاً وعميقاً».

ما بعد 2011: انحسار وبدائل إلكترونية

مع استقلال جنوب السودان 2011، في أعقاب الاستفتاء الذي حصل على موافقة بنسبة 98.83% من أصوات شعبه، استعدَّ نظام الإنقاذ متمثّلاً في حزب المؤتمر الوطني لاستعادة قبضته على ما تبقى من خارطة البلاد؛ وفي سياق ذلك شنَّت السُّلطات حملة شعواء على المراكز الثقافية، وشدَّدت الرقابة القَبْلية على الصحف، من بعد ما أتاحت هامش الحريات الذي أقرَّه دستور السودان الانتقالي للعام 2005، نتيجةَ اتفاق سلام نيفاشا بين الحركة الشعبية لتحرير السودان والمؤتمر الوطني الحاكم حينها.

لم تُلْغَ الصحف السياسية، لكنها باتت تعمل تحت رقابة مشدّدة. وترافق مع ذلك ما يشبه تواطؤاً يُحيط بالصحافة بأشكالها المختلفة. في هذا السياق جرت تغييرات في إدارات الصحف، وبين هذا وذاك كان المحرّرون الثقافيون أول الضحايا؛ فعلى غير العادة خلَت كثيرٌ من الصحف من الملفات أو الصفحات الثقافية، وفُصِل، ضمن من فُصلوا من الصّحافيين، مُحرِّرون ثقافيون. كانت أشهر حملات الفصل في صحيفة «السوداني» ليتوقَّف ملفُّها الثقافي بإشراف الشاعر الصادق الرضي.

متحدّثاً لـ «أتَـر»، يقول الكاتب والسينمائي والمحرّر الثقافي في عدة صحف، ياسر فائز، إنّ العام 2012، شهد تضييقاً من قِبل السلطات على الهامش المتاح للعمل والنشاط الثقافي؛ تضييقٌ مباشر وغير مباشر. كان ياسر حينها شاهداً على موجة سيطرة «جهاز الأمن والمخابرات» على الصحف السودانية، عبر تغيير رؤساء تحرير الصحف وإعادة هيكلة بعضها، ما أدّى دراماتيكياً إلى انحسار الملفات الثقافية كَمَّاً ونَوْعاً، وتوقّفت المجلة الثقافية الوحيدة بالبلاد «أوراق جديدة» حينها عن الصدور، رغم أنها تصدر عن هيئة حكومية. يقول ياسر: «كنتُ أعمل في الملف الثقافي بصحيفة السوداني برئاسة الصادق الرضي، إلا إنّ إدارة الصحيفة بتوجيهات من رئيس تحريرها فَصَلت 17 صحفياً، أُعلن منهم 16 اسماً، باستثناء اسمي، إذ كنت ما زلت أعمل في القسم الثقافي على الرغم من فصل رئيسه، وقالوا إنهم نسوا اسمي ضمن القائمة الأساسية. في اليومين اللذين ما زلت أعمل فيهما شدَّدَ الصادق الرضي كثيراً على الحفاظ على الملف الثقافي، لكنهم فصلوني أيضاً». ويضيف: «هذا السيناريو قد يَتباين مع سيناريوهات أخرى، لكن يمكن وضعها جميعها في توجهين للنظام حينها؛ إضعاف الصحف وفرض مزيد من السيطرة عليها، وتعويق النشاط الثقافي إلى أقصى مدى ممكن».

ومع الانحسار الذي آلَتْ إليه الصحافة الثقافية، تَحوَّلَ محرّرون ثقافيون إلى العمل في المكاتب الفنية للصحف، في مجالات التصحيح اللغوي أو الإخراج الفني، وآخرون منهم تركوا العمل أو تحولوا إلى مجالات أخرى خارج الصحافة أو حتى خارج البلاد؛ لكن في الآن ذاته لم يكن الاستسلام ممكناً، لذلك نشأت مبادرات وانفتحت دروب أخرى للعمل الثقافي.

على متن باص سفري من الخرطوم إلى الدمازين، في منتصف 2012، كان الكاتبان رندا محجوب ومحمد الصادق الحاج ينظران إلى ذلك الواقع الثقافي والأدبي المحبوس، يتذكّران مئات النصوص والمخطوطات المُحاصرة التي بات الأصدقاء يَتبادلونها في نسخ إلكترونية، ويقرأونها على شاشات الكومبيوتر، وكانت تجد مُتنفَّساً نسبيَّاً على صفحات الملفات الثقافية بالصحف. يقول محمد الصادق في إفادة للتقرير: «كان لا بدّ من تدبير طريقة للإفلات من قبضة ذلك التضييق الذي فرضته السلطات على العمل الثقافي». وقبل وصولهما إلى الدمازين وُلدت فكرة إصدار مجلة ثقافية يتولى أمرها أهل الثقافة والفنّ، كتابة وتحريراً وتصميماً وتمويلاً وتوزيعاً. في أغسطس 2012، صدرت الكراسة الأولى من مجلة «إكسير»، بجهد طوعيّ جماعي امتدّ خلال جميع مراحل إعدادها وصولاً إلى مرحلة التوزيع، وطُبعت على ورق قليل التكلفة كانت المطابع تستخدمه لتغليف حزم الكتب. وقد ورد في تصديرها: «كمال مخدوم بأدق التفاصيل. صرح يمور بالنشاط والإحداث والحركة، يَقبل الحياة ويحتفي بأية لحظة فيها. وجسد يزغرد بهجة في أعراس التحدي الدائمة، هذا الجسد». ضمّت الكراسة الأولى، في 178 صفحة، نصوصاً في مختلف وجوه الثقافة والأدب والفنّ لـ 24 كاتبة وكاتباً، فضلاً عن عدة نصوص مترجمة ومعرض فني. وسرعان ما أعقبتها الكرّاسة الثانية في مارس 2013 على النهج ذاته، وطوت في 354 صفحة نصوصاً لـ 45 كاتبة وكاتباً، ومعرضاً فنياً.

وفي ذلك الأوان، نما أيضاً من تحت رماد التضييق وميضُ المواقع الإلكترونية وصفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي صبَّتْ اهتمامها على الصحافة الثقافية، سواء بنشر النصوص الجديدة أم بفنون العمل الصحفي الأخرى. لقد كانت أول بادرة لموقع إلكتروني مختصّ بالصحافة الثقافية، سابقةً لهذه الفترة، في العام 2008، حين أُطلق موقع «حبر سوداني» (Sudanese Ink) بإشراف الصادق الرضي، وعمل في فريق تحريره فاروق أسامة ومأمون التلب ومحمد الصادق الحاج، وتضمَّن حوارات صحفية وأخباراً ومقالات ونصوصاً شعرية وقصصية لأسماء كانت وقتها شابة، واستمر عمله حتى العام 2012.  

بدأت صفحة «نصوص اختلاجية» على فيسبوك نشر النصوص الأدبية في العام 2013 بإشراف القاص محمد سيد مفتاح، الذي يقول لـ «أتَـر»، إنه أنشأ الصفحة في الأصل لتكون مخزناً للنصوص التي تعجبه، ومن ثم تحوّلت إلى صفحة عامة ظلّ يقوم عليها وحده طوال هذه الأعوام، وقد وصل عدد متابعيها إلى أكثر من 51 ألف متابع وتَنشر نصوصاً لكُتَّاب من داخل السودان وخارجه.

في 2014 تحوّلت صفحة «البعيد» على موقع فيسبوك، إلى مجلة إلكترونية، لنشر النصوص الشعرية والقصصية وفصولٍ من الروايات، إضافةً إلى عروض الكتب والحوارات مع الأدباء، وقد أشرف عليه طوعياً فريق كان على رأسه الكُتَّاب محفوظ بشرى وياسر فائز وحاتم الكناني. وتحمَّل تكاليف إنشاء الموقع صاحب الفكرة ومؤسس الموقع الكاتب والمهندس الطيب المشرَّف؛ الذي يقول في حديثه لـ «أتَـر»: «كان هدف صفحة الفيسبوك هو خلق مساحة حرة للكتابة والأدب والثقافة بعيداً عن التصنيفات الضيقة، لكن المحتوى كان أكبر من النشر على صفحة فيسبوك». يضيف الطيب أنّ أحد أصدقائه اقترح عليه فكرة إنشاء موقع يناسب المحتوى. تواصل الطيب مع من أصبحوا لاحقاً أعضاء الفريق. يضيف الطيب: «في فترة ثلاثة أشهر من بدء الموقع وصلت المشاهدات إلى ثلاثة ملايين مشاهدة، ونُشرت خلال فترة عمل الموقع أكثر من 15 ألفاً من الأعمال الأدبية من السودان وخارجه».

يقول الطيب إنه يعتزّ بأن «البعيد» تجربة أدبية وشبابية مُستقلَّة قائمة على المَحبَّة والإيمان بالثقافة والكتابة واستطاعت نشر أعمال لم تجد حظها من النشر في المنابر التقليدية. لكنْ مع ذلك واجهت الموقعَ صعوباتٌ مادية دون أن يجد داعماً، خاصة أن فريق التحرير كان يعمل تطوعاً. «لقد كانت مجلة البعيد حلماً جميلاً ساهم فيه الكتّاب من داخل السودان وخارجه»، يقول الطيب ومن ثم يضيف: «حالياً جدَّدَتُ اشتراك الموقع وأفكر في الإعلان رسمياً عن توقّفه نهائياً بعد ستة أشهر، لإتاحة الفترة القادمة للكُتَّاب لحفظ أعمالهم المنشورة في الموقع».

ولعلّ صعوبة الانتظام في إصدار مجلة دورية ثقافية في واقع سياسي واقتصادي خانق، هي ما حدت بمحرّري مجلة «إكسير» إلى وضع عبارة: «تصدر كلّ لحظة، شأنها الصيرورة والأنفاس» على غلافها الأمامي. وفعلاً، كان على الكراسة الثالثة من المجلة أن تنتظر حتى يناير 2015، لتصدر في 210 صفحات، وشارك في تدبيرها ميسرة محمد صالح ومازن مصطفى ومجاهد جعفر، وضمّت نصوصاً لـ 24 كاتبة وكاتباً، ومعرضاً فنياً. لتعقبها الكراسة الرابعة في يناير 2017 التي شارك في تدبيرها أحمد النشادر وريم خالد ومحمد بابكر ومحمد عمر نصر، وضمّت في 400 صفحة نصوصاً لـ 43 كاتبة وكاتباً في مختلف وجوه الأدب والفنّ والثقافة، ومعرضاً فنياً. وصدر برفقة الكرّاسة الرابعة كتاب «تكسّر» للشاعر الأمريكي ريتشارد سايكن من ترجمة محمد الصادق الحاج. وكانت هذه هي آخر كراسة تصدر من مجلة «إكسير»، وقد أبدى محرّروها لـ «أتَـر» عزمهم استئناف إصدارها في نسخة إلكترونية قريباً.

في العام 2016 صدرت مجلة «الحداثة» ورقياً، وهي مجلة فصليّة ضمن مشروع الفكر الديمقراطي، واستمرت حتى اندلاع الحرب في 2023، وكان في رئاسة تحريرها الكاتب شمس الدين ضو البيت وتعاقب على العمل في فريق تحريرها كلّ من محفوظ بشرى، أحمد النشادر، حسام هلالي، يوسف حمد، ويني عمر، ياسر فائز، حاتم الكناني، مأمون التلب، محمد الصادق الحاج، مأمون الجاك، حسان الناصر، سناء ناصر، وآخرون.

وفي ما يتعلّق بمجلَّة «الحداثة» يقول النشادر، وهو آخر من رأس تحريرها، إنّ وضعها كان مُختلفاً نسبياً عن بقية تجاربه: «لقد كانت جسراً بين الدراسات الأكاديمية المُحكمة والكتابات الحرة، ووقع عليها أيضاً عبء المجلة الثقافية، بحيث تفكر في الثقافة على نحو كامل، بتناول جميع القضايا، مثل قضايا الفكر التنموي والعلمانية واليسار السوداني واللغات في السودان والفكر النسوي والمعماري، وكذلك سؤال الجسد». ويضيف: «كنت أتصوَّر مجلة «الحداثة» عتبة مُختلفة. كان عملي من الداخل أشبه بباحث يعمل لاستيفاء مواضيع العدد من ناحية البحث واختيار الكُتَّاب المشاركين، وهذا ما قد يَستغرق شهرين من البحث وشهراً من الإعداد. هذا العمل وجَّه اهتمامي من حدود الأدب إلى شمول الفكر والثقافة؛ خاصة أنّ العمل في المجلة يتطلَّب نقاشاتٍ مُعمّقة تدور داخل غرفة التحرير للعثور على الأسئلة السديدة في كلّ موضوع، ما يتيح طرح القضايا الجديدة أو تناول القضايا القديمة بمنظور جديد».

وفي 2016 تحوَّلت مجلة «جيل جديد» إلى النشر الرقمي، وهي في الأصل مجلة حائطية أسّسها الكاتب راشد يسلم بجامعة البحر الأحمر بمدينة بورتسودان بدأت في 2007. وانتقلت المجلة لتصبح موقعاً إلكترونياً مجانياً عبر مدونة (ووردبريس)، ما وسّع من قاعدة قرائها وكُتّابها. واستمرّت المجلة في الصدور بانتظام حتى مطلع أكتوبر 2019، لتصبح حصيلتها خلال تلك الفترة 77 عدداً زاخراً بالإنتاج الثقافي وإنتاج يقدّر بـ 21 كتاباً إلكترونياً تتراوح بين المقالات والقصص القصيرة.

وفي أكتوبر 2019، تُوِّجَتْ هذه الجهود بعقد جمعية تأسيسية في 8 أكتوبر 2019، تحوّل بموجبها المشروع إلى «مؤسسة ثقافية» رسمية تعمل في مجال الصحافة والأدب، وانتُخب مكتب تنفيذي برئاسة الكاتب يس المك، لتوسيع نطاق العمل من مجرد موقع إلكتروني إلى كيان ثقافي فاعل.

متحدّثاً لـ «أتَـر»، يقول الكاتب أيمن هاشم إنّ «جيل جديد» ركز على محتوى نوعي يبتعد من الاستهلاك السريع، وشملت اهتماماته، الأدب السردي والقصة القصيرة، وهو الميدان الأبرز للموقع، حيث احتضن نصوصاً لمواهب شابة تمكّن العديد منها لاحقاً من حصد جوائز مرموقة، مثل «جائزة الطيب صالح للقصة القصيرة للشباب» التي ينظمها مركز عبد الكريم ميرغني الثقافي، فضلاً عن مُشاركاتهم في مسابقات إقليمية؛ إضافة إلى النقد والمراجعات الأدبية، والقضايا الفكرية والعامة عبر تحويل النقاشات التي تدور في السمنارات والندوات الشهرية (التي تستضيف أكاديميين ومسؤولين وناشطين) إلى محتوى مقروء يناقش هموم الشباب وقضاياهم. يُضيف هاشم: «لم يكتفِ الموقع بدَور «الناقل» للثقافة، بل أصبح «صانعاً» لها. من خلال المظلة الصحفية، رعت المؤسسة مسابقات سنوية في القصة القصيرة ونظمت ورشاً في فن الكتابة السردية للشباب، ما دمج بين العمل الصحفي والتطوير الثقافي الميداني». لكن مجلة «جيل جديد» اصطدمت، هي الأخرى بحاجز التمويل، وتحوّلت إلى صفحة على فيسبوك.

في 2017 عادت صحيفة «القرار»، وكانت متوقفة عن الصدور منذ العام 2013، بنسخة جديدة، وكانت في الأصل شراكة بين صحافيّين، قرّروا أن ينفردوا بمشروعهم الصحفي خارج إطار العلاقة القديمة بين الناشر والصحفي. ضمّت صحيفة «القرار» في صدورها الثاني ملفاً ثقافياً يصدر ثلاث مرات في الأسبوع، أشرفت عليه المحررة الثقافية والناقدة المسرحية ميسون عبد الحميد، وشاركها العمل على الملف الشاعران الأصمعي باشري والمغيرة حربية.

متحدّثاً لـ «أتَـر» يقول حربية، إنهم كانوا مصرّين على أنّ الصحافة الثقافية ليست ترفاً، لذا فإنّ تعزيز حضورها في الصحافة اليومية هو امتداد للصحافة الثقافية التي ازدهرت في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات وحتى العقد الأول من الألفية الثالثة. ويرى حربية أنها من العناصر التي ترفد لغة الصحافة السياسية، نظراً للحساسية اللغوية والثقافية التي يتميّز بها مشرفو الملفات، خاصة أن خلفياتهم في الأغلب أدبية أو شعرية أو مسرحية.

في 2017، كان مأمون التلب يعمل في قسم التصحيح بصحيفة «السوداني»، عندما طلبت منه إدارة الصحيفة الإشراف على ملف ثقافي، ليعود مرة أخرى ويُنشئ ملف «الممرّ» الثقافي ليستمر حتى 2020، بأجر إضافي على راتبه في قسم التصحيح.

ومع جائحة كورونا 2020، أنشأ الكاتب محمد بابكر صفحة حجول على الفيس بوك لنشر المحتوى الثقافي، شعراً وقصةً ونثراً وخاطرة ومقالاً ونقداً، دون الالتزام بنشر شكل معين، ووفق معايير الجودة والأصالة، كما يقول منشئ الصفحة في حديثه لـ «أتَـر»، وقد انطلق في من فكرة الاعتناء بالنص الأدبي السوداني، خاصة مع خفوت الصحافة الورقية لمصلحة النصّ الإلكتروني.

ومن مجلة «الحداثة» انبثقت فكرة إنشاء صحيفة «الحداثة اليومية» في أواخر 2019، عقب إسقاط نظام البشير، فقام عليها الصحافيان يوسف حمد والفاتح وَديدي، ورأس تحريرها شمس الدين ضو البيت. قدّمت الصحيفة صفحات ثقافية يومية، أشرف عليها حاتم الكناني وجعلت من المادة الثقافية هدفاً تحريرياً يومياً تُنتجُ منه الأخبار والتقارير.

وفي 2020 خاض المغيرة حربية تجربتين في المواقع الإلكترونية، إحداهما في صحيفة «مداميك» الإلكترونية وأخرى في صحيفة «السياسي» الإلكترونية، وكان يُعدّ في الأخيرة صفحة يومية، يقول عنها: «كنتُ مصرّاً على أن تكون الصفحة الثقافية يومية، ودعمني في ذلك رئيس التحرير، على عكس ما كان يحدث في كثير من الصحف السياسية التي تتغوَّل بإعلاناتها على الصحفات الثقافية». وكذلك أثناء الفترة الانتقالية التي أعقبت ثورة ديسمبر، انخرط المغيرة حربية والأصمعي باشري في تجربة تعاون مع وكالة سونا للأنباء لنشر الأخبار والتغطيات الثقافية، لكن تعاونهما توقف مع انقلاب أكتوبر 2021.

يقول ياسر فائز مُعلّقاً على ما حدث للصحافة الثقافية منذ 2012، إنه بعد حوالي 12 عاماً من تلك الوقائع، وبعد انتفاضة 2013، وثورة 2018، والانتقال السياسي في 2019، وانقلاب جديد شرس في 2021، والحرب التي امتدت منذ 2023 ولم ينطفئ أوارها؛ فإنّ الصحافة السودانية بعامة «في أضعف حالاتها، ربما هناك إنجازات كبيرة لها، لكن ما زالت قدرتها على نقل الخبر والوصول إلى المعلومة والانتشار الجماهيري، تُواجه صعوبات لا حدَّ لها». ويضيف: «في ظلّ هذا الواقع المأزوم والذي يُهدّد مستقبل الصحافة السودانية بأكملها، فإنّ الصحافة الثقافية قد أكلتها الأزمة الراهنة التي تواجهها الصحافة السودانية، في مقابل تصاعد النشاط الثقافي في دول النزوح واللجوء والمهجر، كاستجابة عكسية لانحساره وصعوباته في سودان اليوم، الأمر الذي يتطلّب إعادة النظر ومحاولة مواكبة هذا النشاط الثقافي المُقاوِم عبر صحافة ثقافية مُماثلة ورديفة».

من مجلة «إكسير» – أرشيف المحرر

البوهيمية والحديقة: نحو مستقبل تحفظه الكلمات

حينما اندلعت الحرب صباح السبت 15 أبريل كان فريق مجلة «الحداثة» في انتظار وصول نسخة من بروفات العدد مزدوج (16-17)، ويضمّ ملفَّيْن، أحدهما عن «الثقافة والثورة» وآخر عن «السينما السودانية». وبطبيعة حال ذلك اليوم لم يستطع المحرّرون الوصول إلى مقر المجلة في حي الخرطوم 3، ولم تصل نسخ البروفات من المطبعة لمراجعتها ومن ثم الدفع بنسخة نهائية؛ ليظلّ هذا العدد مُعلَّقاً لأكثر من ثلاث سنوات.

وأمام واقع الحرب المُستمرَّة نشأت عدة منابر ثقافية إلكترونية، منها ملف «الهدف» الثقافي، ويصدر في نسخة (PDF) عن صحيفة الهدف، وهي صحيفة حزبية. كذلك صدرت مجلة «كريول»، التي يقوم عليها الشاعر والمترجم والكاتب حاتم الأنصاري، وتهتم بترجمة الأعمال الأدبية من مختلف اللغات إلى العربية، إضافة إلى الحوارات والمُشاركات من الكُتَّاب من داخل السودان وخارجه.

بعد الحرب برز أيضاً موقع «حديقة الكلمات» الذي أنشأه الكاتب أيمن هاشم. يقول هاشم إنه بدأ النشر به قبل نحو سنة ونصف، ليكون مدوّنة إلكترونية صغيرة تهدف إلى دعم الكتّاب الشباب وتوفير مساحة لنشر النصوص الأدبية بعيداً عن صعوبات النشر التقليدي. ويضيف: «لكن المشروع سرعان ما تطوّر إلى منصة ثقافية متكاملة تضمّ أقساماً مُتعدِّدة تشمل الأدب الإبداعي، والتراث الشعبي، والترجمة، والسينما، وأدب الرسائل، وأدب الحرب والثورة، والمقالات الثقافية، إضافة إلى أرشيف تفاعلي للتراث ومكتبة صوتية للحكايات الشعبية».

يقول هاشم إنّ تطوّر الموقع ليكون على هذا النحو، جاء استجابة لحاجة ملحّة فرضتها الظروف التي يعيشها السودان، إذ فقدت الساحة الثقافية كثيراً من مؤسساتها ومساحاتها العامة نتيجة الحرب المستمرة.

لكن رؤية «حديقة الكلمات» تنطلق كذلك من قناعة يعتبرها هاشم أساسية، وهي أنّ الحرب لا تستهدف البشر والبنية التحتية فحسب، بل تستهدف كذلك الذاكرة والهوية والثقافة. «فمع إغلاق المراكز الثقافية وتهجير المبدعين وتعرُّض المواقع التراثية للخطر، أصبح الحفاظ على السرديات المحلية والتراث الشفهي شكلاً من أشكال المقاومة المدنية والثقافية». لذا فإن «المنصة ترى أن حماية الحقوق الثقافية جزء أصيل من حقوق الإنسان، لذلك تعمل على توثيق الحكايات الشعبية والأساطير والموروثات المحلية بوصفها عناصر حية تشكل وجدان المجتمع السوداني وتنوعه الإثني واللغوي».

يقول هاشم في مقابلة أجرتها معه «أتَـر» إنّ «حديقة الكلمات» تتفرّع إلى ثلاثة محاور أساسية في عملها الثقافي: أولها توفير فضاء حر وآمن للكتّاب والمبدعين الشباب، خصوصاً من المناطق المتأثرة بالحرب والنزاعات، لنشر القصص القصيرة والشعر والنصوص النثرية والترجمات والمقالات والدراسات الثقافية. وثانيها جمع وتوثيق الحكايات الشفوية والأساطير والأمثال والعادات والطقوس الشعبية من مختلف مناطق السودان وجنوب السودان وإريتريا. وثالثها نشرُ المقالات النقديّة والتحليلات الثقافيّة التي تَتَناول الأدب والسينما والبيئة وقضايا الهوية والتنوع الثقافي.

يقول هاشم: «لا تقتصر «حديقة الكلمات» على الأدب السوداني وحدَه، بل تمتدُّ اهتماماتها لتشمل الأدب الإريتري والأساطير والمحكيّات الشعبية في جنوب السودان، في محاولة لبناء مساحة ثقافية عابرة للحدود الجغرافية والسياسية. وتَسَعى المنصّة إلى تقديم صورة أكثر ثراءً وتعقيداً عن المنطقة، بعيداً عن الصور النمطية المُرتبطة بالحروب والأزمات، عبر التركيز على الإبداع الإنساني والتنوع الحضاري».

ورغم الطموح الكبير للمشروع، تُواجه «حديقة الكلمات» تحديات عديدة، يعدّد منها هاشم الذي يقيم في السودان: ضعف البنية التحتية الرقمية وانقطاع الكهرباء وصعوبة الوصول إلى الإنترنت في بعض المناطق، فضلاً عن محدودية الموارد المالية اللازمة لتطوير المنصّة وحماية محتواها. كما تُواجه المنصة تحديات تتعلَّق بحماية الملكية الفكرية، وضمان جودة المحتوى، والحفاظ على استمرارية العمل التطوعي، إضافة إلى المخاطر المرتبطة بتوثيق التراث في مناطق تشهد نزاعات ونزوحاً مستمراً. وتَبرُزُ أيضاً صعوبة الوصول إلى الجمهور في المناطق الريفية، والحاجة المستمرة إلى تطوير محتوى جاذبٍ يُحافظ على تفاعل القراء في ظل انشغال المجتمعات بالأزمات الإنسانية والمعيشية.

يقول هاشم: «وراء «حديقة الكلمات» يقف إيمان عميق بأنّ الأدب ليس ترفاً ثقافياً، إنما أداة للمقاومة والحفاظ على الهوية. فالمشروع نشأ من قناعة بأنّ الحكايات الشعبية والأساطير والتراث الشفهي ليست محض مواد للبحث والدراسة، بل مُكوِّنات أساسية في تشكيل وعي المجتمعات وذاكرتها الجماعية».

وفي ظلال هذه الحرب نفسها، وبعد لجوئه إلى القاهرة وقبل عودته الأخيرة إلى السودان، أصدر الكاتب إبراهيم الإعيسر عشرة أعداد من مجلته «البوهيمية» في نسخة (PDF)، على فيسبوك وتيليقرام. إذن لم تكن الحرب بعيدةً من تشكُّل المجلة، كما يخبر الإعيسر «أتَـر»، إذ يَعُد الفعل الثقافي أداةَ مقاومة ناعمة وفعلاً نبيلاً يهدف إلى ترميم الإنسان الذي شرخت الحرب هندسته على نحو يُبعده من جوهره الإنساني، كما يعمل على حفظ الذاكرة الحضارية من التآكل والنسيان. ويضيف أن إصدار المجلة في هذا التوقيت هو محاولة للإبقاء على جذوة الثقافة مُشتعلةً وسطَ العتمة، وخلق مساحة للحوار والتأمل والتفكير النقدي، والتأكيد على أنّ الحياة لا تتوقف عند حدود الحرب، وأنّ الإبداع يظلُّ قادراً على إنتاج المعنى ومُقاومة الخراب.

واستضافت مجلة «البوهيمية» كتابات من داخل السودان وخارجه وكذلك كتابات جديدة وغير مكرّسة. حول ذلك يقول الإعيسر إنه خيار مقصود منذ البداية: «نحن لا ننظر إلى القيمة الأدبية أو الفكرية من خلال الشهرة أو الأسماء المكرسة فقط، ولكن في الحقيقة من خلال جودة النصّ وقدرته على إضافة شيء جديد إلى الحوار الثقافي. كما نعمل على استكشاف الأصوات الجديدة التي لم تُتَحْ لها الفرصة بعد، أو تلك التي تتمرّد على الأنماط الكلاسيكية السائدة، وهو ما ينسجم مع الدلالة الفكرية لمصطلح (البوهيمية) كانحياز إلى الحرية والتجريب وكسر القوالب الجاهزة».

وبحسب الإعيسر، فإنّ النسخة الإلكترونية كانت استجابةً للواقع أكثر من كونها خياراً تقنياً، خاصة أنّ الطباعة والتوزيع باتت مسائل معقّدة ومكلفة، بينما يُتيح النشر الإلكتروني وصولاً أسرع وأوسع إلى القراء داخل السودان وخارجه، فضلاً عن أن النسخة الإلكترونية تُتيح أرشفة الأعداد وحفظها وإتاحتها للباحثين والقرّاء في أي وقت.

وعن الصعوبات التي واجهته وهو يعمل بجهد ذاتي، يقول الإعيسر إنّ هناك تحديات تتعلَّق بالتمويل، والاتصالات، وأوضاع الكتّاب والمحّررين، وتشتتهم في أكثر من مكان، لكن ما يساعدهم هو وجود شبكة من الأصدقاء والكتّاب المؤمنين بفكرة المجلة. «فكل عدد يصدر هو ثمرة تعاون جماعي ورغبة مشتركة في استمرار هذا المنبر الثقافي».

ومع ذلك يقول: «الحقيقة أننا لا نتغلَّبُ عليها على نحو كامل، ولكن نعمل على التعايش معها ونحاول الالتفاف عليها بقدر ما نستطيع، فمعظم العمل في المجلة يقوم على الجهد الطوعي والإيمان بأهمية المشروع الثقافي نفسه. ربما لا نملك الموارد الكافية دائماً، لكننا نملك القناعة بأنّ الثقافة تستحق هذا الجهد، خاصة في مثل هذه الأوقات الصعبة التي يَحتاج فيها الناس إلى ما يربطهم بمعنى أعمق من أخبار الحرب اليومية، وإلى مساحة نتجاوز فيها هيمنة السياسة على المجال الإعلامي وإعادة الاعتبار للإنسان وقضاياه الكبرى».


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *