بقلم: أحمد سايمون لوك

المكان: جوبا، جنوب السودان (سوق “اطلع برا” – محطة ياي)

يُعد الشعر الغنائي عند النوير مرآةً نابضة بالقيم المجتمعية، وينقسم إلى فنون شتى؛ منها شعر الحرب، والحب، والمدح. أما شعر الهجاء والسجالات، فيُعرف بـ “كيت” (Keet)، وهو ميدان تشتهر به النساء ويبرعن في نظمه أكثر من الرجال. ورغم ذلك، يسجل التاريخ الفني لبلاد النوير الغربية (بنتيو) مواجهةً استثنائية رفع فيها رجلان سقف هذا الفن إلى ذروته البلاغية في إحدى الحقب التاريخية، وهما السيدان: (Batiak) و(Luwany).

وفي هذا النموذج الفلكلوري، نستمع إلى صوت امرأة من (بنتيو) تنظم قصيدة “كيت”، تعتمد فيها على الكناية والمجاز -وهي السمة الغالبة على بلاغة النوير- لتوجيه نقد لاذع لصفة البخل. وإليك تفاصيل هذا السجال المهيب:

المطلع: دهشة على ضفة النهر

تبدأ المغنية (الهاجية المتحدية) برسم مشهد مسرحي، وتطلق تساؤلها الاستنكاري مستغربةً وجود تلك “القطية” (البيت التقليدي) التي ظهرت فجأة عند مقطع النهر. لم يكن اختيار المكان عبثياً؛ فالعيش على الضفة المعزولة -بينما يقطن الجميع في الضفة الأخرى- يوحي بالريبة، ويعكس رغبة ساكنتها في اعتزال الناس هرباً من واجبات الضيافة والكرم.

المغنية:

مَن صاحب تلك القطية الغريبة؟

القابعة هناك.. عند مقطع النهرِ المريب!

مَن تلك التي انزوت ببيتها بجانب (اللواك)،

وتركت الحشائشَ البريةَ تحتلُّ فناءَها السليب؟

أهو الكسلُ أم الهروب؟

الكورال (Gaam): وخزة القبيلة

هنا يتدخل الشيّالون (Gaam – قآم) ليرددوا المقطع الجوابي بتكرارٍ نغمي يمنح الأداء هيبته الفلكلورية، فيكشفون هوية المرأة المعزولة في إشارة ذكية تجمع بين المدح بما يشبه الذم، وتوجيه “وخزة” خفيفة لعشيرتها:

الكورال (قآم):

إنها (نيا لينه).. ابنة قبيلة (Leek)!

نعم.. هي (نيا لينه) سلالة (ليك)!

(يتكرر المقطع لتوكيد الحجة في الفضاء المعمور)

الفناء المهجور والعجول الجائعة

تعود المغنية لتواصل تهكمها البلاغي، مستندة إلى أقدس ما يملك النوير: “الأبقار”. فالفناء (Cheeray) بات غابة صغيرة، وكأن البيت خالٍ من البشر والهمة، ولا سبيل لتنظيفه إلا بجلب مواشٍ غريبة تأكل الحشائش! ثم تلتفت بعين ناقدة إلى العجول لتكشف الفاجعة:

المغنية:

فِناءُ (Cheeray) غطّتهُ الأدغال،

وكأنْ ليس في البيتِ أثرٌ لرجال!

هل نُحضر الأبقارَ لتأكل العشب من حولك؟

وانظروا.. انظروا إلى تلك العجولِ الهزيلة!

تسيرُ متعرجةً.. تتلوى من الجوعِ وتميل،

تفقد توازنها في المشي.. والنوير يعرفون معنى هزال الفصيل!

جفاف الضرع والبخل الفاضح

تصل القصيدة إلى ذروتها في ذم البخل؛ فتصف كيف تحلب (نيا لينه) بقراتها بقسوة، محولةً ضرع البقرة المِدرار إلى ما يشبه “الشاة” الصغيرة، حيث تعصره حتى آخر قطرة دون أن تترك نصيباً لعجولها الضعيفة:

المغنية:

(نيا لينه) البخيلة.. تحلب بقراتها كأنها تحلب شاة!

تعصر الضرع بقسوة..

ولا تتركُ للعجول رمقاً للحياة..

فصارتْ صغار الماشية متعبة..

يكسوها الشحوب والآه.

الفضيحة الكبرى باسمها الكامل

حين تضيق المغنية ذرعاً بالمواراة، تقرر أن ترفع القناع تماماً وتفضح الخصم باسمها الكامل وثنائيتها الصادمة: العزلة، وملعقة الطعام الواحدة! وهو العيب الأكبر والأشد فظاعة في ثقافة النوير:

المغنية:

سأبث خبرك في الملأ..

إنها (Nyaruach Maluo)!

يا من أبعدتِ بيتك عن الفرجان والناس،

ما اخترتِ الضفة الأخرى إلا لتأكلي وحيدةً بلا إحساس..

وليس في بيتك المعزول..

إلا ملعقةٌ واحدة (Toung)!

ملعقةٌ واحدة..

لبطنٍ واحدة.. وتباً للبخل كيف يُطأطئ الرأس!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *