حينما تكون الثورة مؤنثة

نمارق سعد الجاك

“إلى كنداكات بلادي.. إلى مزن النيل، ووفاق، ووصال”

انتفض الشعب وسَبَّحت تحت سماء القيادة الخيام، وقصائد حُميد والقدال، وأغاني أبو السيد. انفجرت الحناجر مثل شلالات دماء من شريان شعب عظيم قوي المناعة، لم تخبُ نار خلاويه ولا مصابيح تكاياه. بعض ثواره انضموا إلى القوات الخاصة، أفكارهم تناقض العسكرة والتمليش، ولكن الانضمام إلى الجيش باعتباره أحسن السيئين على الأقل في الوقت الراهن، و”المضطر يركب الصعب”.

قدمتُ من كردفان، رأيت فض اعتصام القيادة على شاشة التلفاز، يومها كانت الإشارة ضعيفة وبذلت قصارى جهدي. رأيت الدم والنار في كل مكان، الربكة والركاكة والعنف، عنف السلطة، عنف الأسرة والمدرسين والمديرين، عين العنف نحن. ذات مرة قلت مقولة ماكس فيبر مؤمنة بالعنف المنظم، رد عليَّ الثائر “جنا جيش” ساعة حكى فيها عن الفظاعات. الوقت لم يسمح بالمزيد، حان وقت المحاضرة، تفرقنا كلٌّ إلى قاعته. رجالنا يصطادون التماسيح سحباً من قلب البرك.

أعرف القليل عن الثورة، حكت لي عنها وفاق ذات يوم ونحن نتجول أنا وهي، صمتت مدة وقالت: “دي شجرة الشهيد كشة، بِقْعُد هنا كتير”. لم أكن أعرفه، شعرت أن الذي اعترى وفاق شيء لا تمحيه الدموع، ولا ذاكرتنا المدربة على حفظ الألم كما الفرح، وتلك الأيام نداولها بين الناس. ظننتها سوف تعانق جذع شجرة النيم، لكنها كفكفت دموعها بكُمِّ قميصها وطلبت من صاحب البقالة: “لو سمحت، واحد فول وبيبسي”. تحت تلك النيمة اكتفت بالأسى، وغادرت بحذائها الأبيض تسابق المارة، زادت من سرعة خطاها محذرة: “أسرعي لانو دا شارع القصر، محل الكاشف ذاتو”.

لم أكن أعرف مزن النيل رغم وجود أصدقاء مشتركين بيننا؛ ود الحاج ورؤية حسن. نظراتها تروي واقعاً خففت من وطأته لجان المقاومة. أمثال مزن لن يبقوا طويلاً، يزعجون العقل الجمعي بالأسئلة مثلما يقلق ظهيرتنا مشتري الخردة، أو بياع الخضار، أو بياع سمك “الصير”.

كوّنت معرفة شحيحة عن الثورة، تبادلت أطراف الحديث مع ثائرة طموحة فقلت: “أنا مع التسوية السياسية”. ابتسمت بلطف: “تسونجية!”. قلت: “لم أشارك في الثورة”، فقالت: “الثورة ما مواكب!”، كأنها وصفتني نداً لها؛ حيث أقامت عصراً وليلته في موكب في بحري قرب شارع المعونة المكتظ. رجعتُ الداخلية متعبة، الساعة وقتها شارفت على السابعة صباحاً. سألني البواب: “وين كنتي؟”، أجبته: “خالتنا في المستشفى”. أجابني بتسلط وشك: “مافي زول بجي من مستشفى زي الزمن دا، وكمان لابسة بنطلون! انتظري المشرفة”. حضرت مشرفتان، أشد حدة من الرجال، يتذمرن لا سيما لو كن عانسات: “بطاقتك وين سريعاً؟”. حدقت فيَّ وفي البطاقة: “وصال عادل؟ ااااممم”.

أخبرتني وفاق أن الشهيد مضوي قُتل أمام ناظريها، أطلق أحد أفراد الأمن النار على ساقه، لم يكترث وظل يهتف، فصوّب رصاصة على ساقه الأخرى، خرَّ على ركبتيه كالخيران عندما تجرف المياه التلة، يحدث الهدّام محدثاً صوت ارتطام قوي، الماء يبتلع الكتل رويداً رويداً حتى تُهدم أو تسير مع التيار، محظوظ من يراقبه، وما أجمل أن نتصل بالطبيعة فهي أيضاً تغضب وتثور. في آخر المطاف صُوّبت رصاصة من أعلى أظنها اخترقت الصدر، سقط مغشياً عليه؛ “لا ينفعك يا مضوي العوير ولا النجدة”. ذُهلت، حملت أقدامي متحاملة، وجدت شاباً يلفظ أنفاسه الأخيرة، حاولت مساعدته لكني لم أستطع، مات. لكن طيفه لم يمت، يزورني في الليالي الباردة، وفي منتصف النهار مع أكواب القهوة، في عز الهجير مع الهرج واللمة والروقان.

الطريف أن وفاق التقت رجلاً على متن حافلة كانت متجهة نحو موكب، كانت تحمل مصحفاً وتدرك أن “الكجر صاحي”، تقرأ سورة يس كمحاولة نجاة، وتحمل بطاقة عليها فصيلة الدم والاسم كي لا تكون مجهولة الهوية، رغم أنها عرفت هويتها حينما رأت لأول مرة الإبادة في دارفور. المهم، العجوز قال لها: “العيال ديل برا الشبكة، واحد قال ليك بياخد حبة أسماها (أنا العظيم) بتخليهو يشوف الدبابة زي السمسمة”. ضحكتُ كما لم أضحك من قبل، وتذكرت قصيدة عن عبد القادر ود حبوبة حينما قالت أخته: “سيفك للفقار قلّام”. أهِي البسالة أمام الآلة النارية؟ ما كل تلك العظمة؟ تُرى هل كان ود حبوبة تحت تأثير مخدر “أنا العظيم”؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *