يحزمُني المنفى في حقيبته
من التوهان بدأ السفر
خرجنا نجرُّ خطواتِنا على طرقٍ من طينٍ مبلّل
نحملُ فوقَ أكتافنا أشياءَ صغيرة:
جرّةً انكسرتْ نصفين
صورةً مشوَّشة
حكايةً عن نخلةٍ لم تغرق.
صرنا مسافرين بلا موعد
نمشي من ضفافٍ إلى ضفاف
كأنّ الغربةَ نهرٌ آخر..
وكأنَّ الرحيلَ وصيّةُ الطينِ
حين يفيضُ ولا يجدُ ما يسندُه.
كلّما عبرتُ حدودًا
انكمش اسمي قليلاً
يصير هشيمًا على الألسنة
أو رقمًا يُخطئه الجهاز، ولا يعتذر.
ما الذي يسافر حقًا، الجسدُ؟
أم الظلّ المرتجف في المقعد المجاور
الذي يشبهني ولا يسلّم؟
لي وجهٌ لا يظهر في الخريطة
لغةٌ لا يتذكّرها أحد،
و قمرٌ يتأخر دائمًا عن الموعد
ولا أعرف إن كان ساهيًا أم أنه فقط تعب!
كل بيتٍ استأجرته علّمني شيئًا عن الزوال:
أن المفاتيح تتغيّر، والأسرّة لا تسأل من غادر
وأن الغرف لا تحتفظ برائحة الحنين
إلا إذا اختنقت بها.
السفر لا يُنهي المسافة
هو فقط يُغيّر السؤال.
فبعد كل مطار يولدُ شكٌّ جديد:
هل كنت هناك حقًا؟
أم أنني كنتُ فقط حلمَ أحدهم عن الرحيل؟
الحقائب ممتلئة بأشياء لا أحتاجها،
والقلب فارغ إلا من مشيئة الغياب.
أسافر ليس لأنّ الطريق أجمل
بل لأنّ البيوت صارت تضيق على أنفاسي
والنوافذ ترفض أن تُفتح للغيم.
فكلُّ سفرٍ يبدأ من جُرح
ومن حلمٍ صغيرٍ نسي أن يكبر.
لكنّي كلّما ابتعدتُ…
اقتربتُ من وجهٍ يشبهني،
في غريبٍ يسألني عن اسمي باللهجة ذاتها،
ويختصر البلادَ في “أنتِ من وين؟”
في المطارات
تتقاطع الأوطانُ في العيون
ويصير الوطنُ مجرّد حقائب
وأسماء تنادى… ولا أحد يردُّ.


اترك تعليقاً