الفقدان

·

·

,

فقدٌ يسكُن لغتي

(1)
عند منتصف الليل أجلسُ على مقعدٍ مكسورٍ في شارعٍ لا يمرّ به أحد،
أعدّ الأسماء التي رحلت كما يعدّ جنديٌّ رصاصاته الفارغة.
أستمع إلى صمتٍ يفتح أبوابَه بلا مفاتيح،
إلى هواءٍ يمرّ من الزوايا كأنه يحمل رسائل من وطنٍ بعيد.
أمد يديّ نحو شيءٍ لا أراه، لروحٍ تهرب بين السطور
وهويةٍ لم تكتمل بعد
أسأل: إذ ينام الفقد اين يذهب؟
هل يتوسّد أحلامنا، ام يشرب من دموعنا ليستيقظ في الصباح أقوى، أم يتركنا كحراسٍ متعبين على أبواب العدم؟!

(2)
المدى الذي يمدّني بلا نهاية
نحو نوافذٍ تطل على الغياب
و رؤىً تسكنني بلا كلمات
أحاديث الليل التي تهمس في أذني:
كل شيءٍ يذهب ويعود وكل شيءٍ يبقى فيك رغم الرحيل.

(3)
أشعر بأن الوطن يسكن داخلي لكنه لا يملك وجهي
يترك لي الفراغ كمساحة أمل
ويترك للهوية حقّ السؤال: من أنا حين يغيب كل شيء من حولي؟
أفتّش عني في المدن والحقول، في الحجر والماء
في صوت المطر الذي يسقط على نافذتي
في كل زهرةٍ لم تَزهر بعد، وفي كل نجمٍ لم يولد.

(4)
حين تتعب قدماي عن المسير، اسمع منادى ينادي
لا تبحث، فالغياب أيضًا جزء منك!
جزء من الطريق الذي يعلّمك الصبر
جزء من المدى الذي يمدّك بالأسئلة ويترك الإجابات في الصمت!
هل أنا الماء الذي سُكب من طيني كي يعلّم الجفافَ كيف يزهر؟

(5)
مرةً أخرى، كل شيءٍ يحدث بلا بداية ولا نهاية
وكل غيابٍ يحمل معنىً لا ندركه إلا حين ننام على حجرٍ بارد.
النوافذ مفتوحةً على كل شيء، تسمح لهوية الاشياءِ أن ترى نفسها في انعكاس الضوء والظلال
تسمح للوطن أن يهمس في أذنك:
أنا هنا رغم كل الرحيل، رغم كل الغياب.

(6)
أرى الرؤيا تأتي مثل النسيم
تلمس قلبي بلطف، تزرع الأمل بلا كلمات
تجعل الفقدان مدرسة
تجعل الغياب نهارًا طويلا نعرف فيه أننا ما زلنا أحياء.

(7)
المدى يمتدّ أمامي، ايضًا بلا حدود
يعلّم الروح كيف تمشي بلا وزن
كيف تظل صافية رغم ضباب الرؤيا
رغم كل فقدان، رغم كل سؤال لم يُجب بعد.

(8)
أحيانًا يختلط الصوت بالصمت
والهوية بالغربة
والروح بالمكان
والوطن بالماضي
والرؤيا بالليل
والنوافذ بالغياب!
يا أيها الغائبون: كيف استطعتم أن تتركوا مقاعدكم في المقهى بلا قهوة؟
كيف سافرتم من قلوبنا بلا جوازات؟
ولا تركتم للدمع تذكرةَ عودة؟

(9)
الفقدانُ مرحلةٌ مؤقتة، لكنه مثل البرق في ليلٍ أبدي: يلمع لحظة، ثم يترك العمى مقيمًا.
إنه يمرّ، لكنه يتركك ساكنًا في مروره،
مثل حجرٍ تعلّق في طوفان.
تقول: سيمضي.
ويقول هو: لقد مضيتُ وبقيتُ فيك إلى الأبد

(10)
في الغياب
تتحوّل البيوت إلى حقائب.
والمدن إلى ذاكرةٍ متعبة
والطرق إلى أحلامٍ تجرّها الخيول نحو المنفى.
أكتب أسماءكم على جدران قلبي
فتنبتُ أعشابٌ برّية تشبه خطواتكم.

(11)
الفقدانُ ليس موتاً
إنه النشيد الذي نردّده حين يعجز اللسان عن الغناء
إنه موسمٌ مقيم، صيفٌ لا يرحل وشتاءٌ لا يأتي!
شكلٌ آخر من أشكال البقاء،
إنه وطنٌ جديد نُنفى إليه!
والدرس الأخير للحياة.

(12)
كل غيابٍ هو طريقٌ إلى شيء لم يُسمع بعد
إلى شيء سيأتي في موعده..
إلى شيء يبقى فيك، يذكّرك أنك لم تترك وحدك،
وأن الوطن بهويته، روحه، وكل أحاديث الليل الثقيلة جزء منك ومن الرحلة…
جزء من الغياب الذي يعلمك أن ترى مدّ البصيرة

(13)

أن تمشي بلا خطوت
كأن الطريق خُلق من ظلك
وأن تحب بلا نهاية
كأن قلبك بحرٌ لا يعرف ضفافًا
وأن تسأل بلا توقف،
كأن الأسئلة بذورك واليقين صحراؤك.
أن تسكن في غيمةٍ لا سماء لها
وتضيء كأن النور حليف جرحك.
أن تصير السؤال والجواب معًا،
كأنك دائرة لا تنكسر!
تكون الوطن حين يتيه الوطن
والنهر الذي يكتب وصاياه للطين
والنافذة التي تسهر على ظلها
والهوية التي تنام في الكتب ولا تستيقظ إلّا في قصيدة.

(14)
الفقدانُ: أن يسير قلبُك خلفَ وطنٍ مكسور، ويظلُّ الطريقُ أطولَ من خطوتك..
أن تذوبَ في ما غاب، حتى لا يبقى منك إلا شوقٌ معلَّق على أبواب الغيب!
أن يهاجر القطيعُ ولا يترك أثرَ حوافرٍ في الطين
أن يصدأ الجسدُ كخنجرٍ منسيٌّ في خاصرة الغابة.

(15)
الفقدانُ أن يتكلّم الظلّ بلسانك،
أن يبيت اسمُك بلا جسدٍ يحمله..
أن تذبل الطرقات من ثِقل الغياب
و تُصبح الندبةُ وطنًا أدقَّ من خريطلة!


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *