تُعد أسماء الأعلام عند قبيلة النوير نافذةً عميقة لفهم فلسفتهم الوجودية ونظرتهم التنزيهية للخالق، حيث تتجلى “سعة اللغة الضمنية” في تجاوز الحرفية الجامدة إلى المعاني الروحية المجرّدة…..
دلالات الأسماء عند النوير:
ما وراء الحرفية اللغوية( قادكوث)……!؟
يبرز اسم “قادكوث” (Gatkuoth) كنموذج فريد للاشتباك بين الثقافة والترجمة؛ فبينما يترجمه البعض حرفياً إلى “ابن الله”، إلا أن هذه الترجمة تقع في فخ “القصور اللغوي” الذي يغفل المضمون الوجداني والروحي للكلمة في سياقها الأصلي…..
1. الهروب من “دلالة الاستعباد”
تخلو القواميس اللغوية والوجدانية لقبيلة النوير من مفردة “العبد” بمعناها الاصطلاحي المهين، نظراً لما تحمله هذه الكلمة من قبح دلالي يتنافى مع قيم الحرية والكرامة المتجذرة في ثقافتهم. وبدلاً من استخدام صيغة “عبد الله” المتعارف عليها في لغات أخرى، اختار النوير صياغة تعكس الحميمية والتقرب، فاستخدموا مقطعي:
* قاد (Gat): وتعني الابن أو النسل.
* كوث (Kuoth): وتعني الله (سبحانه وتعالى)…..
2. اللغة الضمنية والمجاز الروحي
حين يطلق النوير اسم “قادكوث”، فإن “الوقع الموسيقي” والمعنوي للاسم لدى المتلقي النويراوي لا ينصرف أبداً إلى المعنى الحرفي (البنوة البيولوجية)، بل هو تعبير عن النسب الروحي والارتباط الوثيق بالخالق. إنها “بنوة مجازية” تعني في جوهرها:
“المنتمي إلى الله” أو “المحفوظ بعناية الخالق”
3. ثراء الدلالة وسعة اللغة
تتجلى عبقرية اللغة عند النوير في قدرتها على تطويع الألفاظ لتؤدي معانٍ تفوق حدود القواميس؛ فالاسم هنا ليس مجرد تعريف للشخص، بل هو إعلان عن علاقة حب وتنزيه. فالمترجم الحذق هو من ينقل “المعنى الضمني” الذي يعادل (عبد الله) في المقصد، وليس من يقف عند حدود اللفظ الذي قد يوحي بغير المراد خارج إطار القبيلة…..
خلاصة القول: اسم “قادكوث” هو انتصار للكرامة الإنسانية التي ترفض لفظ العبودية، واستبدالها بلغة أكثر حميمية تعكس عمق الإيمان والصلة الوجدانية بين الإنسان وخالقه….
احمد سايمون


اترك تعليقاً