كان معظم الصمغ العربي في العالم—المكوّن الذي يمنح المشروبات الغازية فورانها ويحافظ على استقرار الأدوية—يأتي يومًا من السودان. وبعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية وانهيار الإنتاج، تسعى تعاونيات نسوية إلى إعادة بناء هذا القطاع.
الكاتب: محمد أحمد
27 أكتوبر 2025
مع بزوغ الفجر، تنضم منى قدم الخير إلى ست نساء أخريات من قريتها الواقعة غرب مدينة الأبيض، وهن يحملن السكاكين والسلال وأكياس الخيش الخشنة، في طريقهن إلى غابات الهشاب. وبين أشجار الأكاسيا، يبدأن العمل الشاق المتمثل في شقّ اللحاء وجمع الصمغ العربي، تلك المادة الكهرمانية التي عُرفت طويلًا في السودان باسم «الذهب الأخضر».
وبحلول منتصف النهار، يستقر الحر فوق الغابة ويبطؤ الإيقاع. تستريح النساء في ظل شحيح، يمسحن الغبار عن وجوههن، وقد وُضعت أدواتهن إلى جوارهن كأنها امتداد لأيديهن. وسرعان ما سيبدأن وزن الصمغ وفرزه، وتنظيفه من بقايا اللحاء قبل تعبئته في أكياس خشنة مهيأة لأسواق بعيدة. أما الآن، فيجلسن بصمت، يراقبن الراتنج وهو يتصلب تحت الضوء.
تقول قدم الخير في حديثها لموقع TriplePundit:
«بالنسبة لي، كان الانضمام إلى التعاونية مسألة كرامة. أن يكون لجهدي قيمة، وأن نثبت نحن النساء أننا لسنا مهمشات في قطاع كان يُعتقد أنه حكر على الرجال».
ومع دخول الحرب الأهلية في السودان عامها الثالث، برزت التعاونيات النسوية بوصفها—وفقًا لمسؤولي الغابات—«صمام أمان» لقطاع كان يزوّد العالم بنحو 80 في المئة من الصمغ العربي، ذلك المكوّن الخفي الذي يحافظ على فوران المشروبات الغازية، ويمنع ذوبان الحلويات، ويضمن استقرار المستحضرات الدوائية.
كان السودان في وقتٍ ما أكبر منتج للصمغ العربي في العالم، المعروف أيضًا بصمغ الأكاسيا، والمستخلص من عصارة أشجار الأكاسيا. ففي عام 2022، بلغت صادرات الصمغ العربي نحو 183 مليون دولار، ليحتل مكانة ضمن أكبر عشرة صادرات سودانية. ويعتمد قرابة خمسة ملايين سوداني على هذه التجارة، لا سيما في ولايات شمال وجنوب كردفان، ودارفور، والنيل الأزرق، والقضارف.
غير أن إنتاج الصمغ انهار إلى النصف في السنة الأولى من القتال بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وبحلول أواخر العام الماضي، كانت قوات الدعم السريع قد سيطرت على مناطق إنتاج الصمغ الرئيسية في كردفان ودارفور غربي السودان، بما في ذلك أكبر بورصة للصمغ العربي في العالم بمدينة الأبيض.
وفي مؤشر على الأمل، غادرت أول شحنة منذ سيطرة قوات الدعم السريع على المنطقة ولاية شمال كردفان متجهة إلى بورتسودان في شهر مارس. وقد مثّلت هذه الشحنة بوادر تعافٍ جزئي للقطاع، قادته في الأساس نساء رفضن التخلي عن الغابات.
أما الدخل الذي كانت قدم الخير تخصصه سابقًا للإيجار والعلاج، فقد بات اليوم يذهب بالكامل تقريبًا لتأمين البقاء—إيجاد مأوى وطعام كافٍ في زمن الحرب.
ومع ذلك، لا يزال هذا العمل يمنح شيئًا يتجاوز المال. تتحدث قدم الخير عن الاستقلالية التي يحققها، وعن روح التضامن التي تربط أفراد مجموعتها ببعضهم.
جهود تقودها النساء
وُلدت قدم الخير ونشأت بين أشجار الأكاسيا التي شكّلت جزءًا من حياتها اليومية منذ الطفولة. كانت ترافق والدتها في جمع الصمغ ومراقبة نمو الأشجار. واليوم، وبعد أن أصبحت أمًا، انضمت إلى مجموعة صغيرة من نساء الحي كنّ قد بدأن جمع الصمغ معًا بدافع الأمان وتقاسم الدخل.
تتوزع الأدوار داخل التعاونية المكوّنة من سبع عضوات بالتساوي، من الزراعة إلى الحصاد وصولًا إلى التسويق. وتجد النساء في العمل الجماعي أمان العدد، ويتشاركن الأدوات ووسائل النقل، ويتفاوضن بشكل جماعي مع التجار. وتُقسَّم الأرباح وفقًا لحجم المساهمة، مع تخصيص نسبة لإعادة الاستثمار في البذور، وحماية الغابات، وتكاليف النقل، أو شراء الأدوات. وتُتخذ القرارات بشكل جماعي في اجتماعات دورية.
يقول عبد الرحيم محمد توم، كبير مفتشي الغابات في ولاية شمال كردفان، إن التعاونيات النسوية مثل تعاونية قدم الخير تُبقي قطاع الصمغ العربي واقفًا وسط الاضطرابات. ويوجد في شمال كردفان نحو ألفي جمعية منتجة للصمغ العربي، وتشكل النساء اليوم ما يقرب من نصف العاملين في التعاونيات المنتشرة عبر محليات الولاية السبع.
قبل الحرب، كان التجار الموثوقون يهيمنون على تجارة الصمغ العربي، معتمدين على الائتمان طويل الأمد والسمعة الشخصية المتراكمة عبر الأجيال. لكن مع اتساع رقعة النزاع، انهارت تلك الشبكات، وظهرت وسطاء جدد—بعضهم مرتبط بجماعات مسلحة أو مسارات تهريب—ما أدى إلى ارتفاع التكاليف وتعميق حالة عدم اليقين لدى المنتجين.
ومن خلال الاستغناء عن الوسطاء غير الموثوقين والبيع مباشرة لمشترين معتمدين، تعمل شبكة التعاونيات النسوية المتنامية ببطء على إعادة بناء الثقة.
تستخدم فاطمة الدقيل، إحدى عضوات التعاونية، دخلها لدفع الرسوم الدراسية لأطفالها الخمسة. تقول: «كنت أخشى أن يضطروا لترك المدرسة، لكن دخل التعاونية أعاد إليّ الأمل».
أما رحاب، أصغر عضوات التعاونية سنًا، فتقول إنها باتت قادرة على شراء الدواء لطفلها إذا مرض، بعدما كانت تعتمد سابقًا على انتظار المساعدات.
وتقول حواء النور، عضوة في تعاونية أخرى تقودها النساء:
«التعاونيات لا توفر الدخل فحسب، بل تبني شبكات أمان اجتماعي لم توفرها البنى السوقية التقليدية قط. إذا مرضت امرأة أو اضطرت للغياب، تتولى الأخريات تغطية عملها حتى لا تفقد نصيبها. نشعر أننا عائلة واحدة».

ويثني الصادق خليفة، تاجر الصمغ في سوق الأبيض للسلع، على دور النساء داخل الجمعيات التعاونية، مشيرًا إلى أنهن يسهمن في تقليص حلقات الوساطة، واصفًا إياهن بأنهن «العمود الفقري لعمليات جمع الصمغ وفرزه وبيعه».
وبعد أن كان دور النساء يقتصر على الشقّ والحصاد والتنظيف والتعبئة، أصبحن اليوم يؤدين أدوارًا أوسع عبر هذه الهياكل؛ إذ ينظمن عمليات البيع الجماعي، ويتفاوضن على الأسعار، ويدرن النقل، ويحافظن على غابات الأكاسيا المحلية.
ويضيف خليفة:
«معرفتهن البيئية الدقيقة ورعايتهن طويلة الأمد للأشجار حسّنتا جودة الصمغ واستدامة الإنتاج في تجارة تعتمد على الثقة والرعاية بقدر اعتمادها على الجهد».
قطاع على حافة الانهيار
في الوقت الذي تعمل فيه التعاونيات النسوية على إنقاذ تجارة الصمغ العربي من حافة الهاوية، تظل آثار الحرب على القطاع والبيئة المحلية مدمرة. ففي شمال كردفان، أفاد شهود عيان باحتراق غابات كاملة وتضرر الأسواق المحلية. وأسهمت عوامل مرتبطة بالنزاع في فقدان ما لا يقل عن 6,126 هكتارًا من الغطاء النباتي الطبيعي—ما يعادل نحو 4,373 ملعب كرة قدم—في ولاية واحدة فقط، وفقًا لمرصد النزاعات والبيئة.
ويشرح مفتش الغابات عبد الرحيم توم أن قطاع الغابات تكبد خسائر جسيمة بسبب الحرب، ما أدى إلى فرق واضح في الغطاء النباتي قبل اندلاعها وبعده.
ويقول:
«دُمرت العديد من غابات الأكاسيا، وكادت مساحات واسعة من أشجار الهشاب أن تضيع نتيجة القطع غير القانوني واستخدامها في صناعة الطوب أو كمصدر دخل بديل للأسر المتضررة».
وترى قدم الخير هذا الدمار بعينيها:
«أحيانًا نعود من الغابة خالي الوفاض بعد يوم طويل من العمل الشاق. الأرض التي كنا نزرعها أصبحت شبه خالية بسبب الهجمات والنهب».
وخلال ذروة النزاع، أُغلقت الأسواق المحلية أو سيطر عليها مهربون يشترون الصمغ بأسعار أعلى من السوق النظامية، سواء من مناطق الإنتاج أو قرب الحدود، ثم ينقلونه عبر مسارات غير رسمية إلى تشاد أو جمهورية إفريقيا الوسطى أو جنوب السودان، أو يبيعونه مباشرة لمشترين دوليين.
ويقول توم:
«توقفت نسبة كبيرة من الجمعيات التعاونية بسبب الحرب والوضع الأمني، مع غياب قدرة الدولة أو منظمات التنمية الريفية على الوصول إلى القرى والمناطق المتأثرة لتقديم الدعم اللازم».
نافذة أمل
تتحمل نساء مثل قدم الخير أعباءً مضاعفة: جمع الصمغ وسط مخاطر العنف المباشر، والابتزاز عند نقاط التفتيش التي تفرض أحيانًا رسوماً تصل إلى نصف مليون جنيه سوداني للشاحنة الواحدة، فضلًا عن صعوبات النقل بسبب الطرق غير الآمنة وارتفاع أسعار الوقود.
تقول قدم الخير:
«أحيانًا أشعر بخوف شديد على نفسي وزميلاتي، فالغابات تعج بالمسلحين واللصوص. وأسمع يوميًا عن نساء—بل أعرف بعضهن—ذهبن لجمع الصمغ ولم يعدن. قبل الحرب، كانت الحياة في الغابات أكثر استقرارًا. كنا نعرف الأسعار ونصل بسهولة إلى أسواق الأبيض عبر شاحنات القرى. أما اليوم، فقد نخرج ولا نعود جميعًا، خصوصًا نحن النساء».
ويرى توم أن مراقبة عمليات تهريب الصمغ باتت شبه مستحيلة في الوقت الراهن، إذ تُهرَّب كميات كبيرة من أنواع مختلفة من الصمغ (الهشاب، الأكاسيا وغيرها) إلى الدول المجاورة.
ويضيف:
«من الضروري أن تتضافر جهود المنظمات والجهات الحكومية لإيجاد حلول واقعية ودعم الجمعيات التعاونية النسوية. وبعد أكثر من عقدين من العمل في ولايات كردفان، أرى أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على إعادة تأهيل البنية التحتية لإنتاج الصمغ العربي في عموم السودان، مع استعادة دوره البيئي في تحقيق التوازن الإيكولوجي».
ورغم كل ذلك، تظل التعاونيات نافذة أمل للنساء.
تقول قدم الخير:
«نلتقي، نزرع، نحصد ونبيع معًا. أشعر أن لجهدي قيمة، وأن النساء هن روح هذا القطاع. أوقفوا هذه الحرب اللعينة. دعونا نعمل بسلام. عندها فقط سيستعيد الصمغ العربي مكانته، وسنثبت أن النساء السودانيات قادرات على حماية هذا المورد».
نُشر هذا المقال بالتعاون مع منصة إيجاب (Egab).


اترك تعليقاً