قراءة مقتضبة في نص عمار شرف الدين

الكاتب: أمجد ر. محمد
“أسيل كالصديد من جرح الكون!”


هكذا أبتدأ عمار شرف الدين ديوانه. هكذا تحدث زاردوسترا الألم، بإستعارة تستطرد جرحا في الكوني، إستعارة طبية، تضع الذات وجسدها في غرفة الطوارئ، كأعراض وأسباب حرجة تعكس حالة الكون وهو طريح الفراش، كون يحتضر.

يمثل نص عمار رؤية وجودية عميقة، تتمحور حول الألم، الإغتراب والموت كعناصر أساسية في الوجود البشري. وهي رؤية قد حاصرتني طيلة الفترة التي إنهممت فيها محاولا نقل نصوصه التي تشبه لحد بعيد ساحة معركة بالغة الخطورة- إلى اللغة الإنجليزية، ولا زالت رؤيته تلك تطرق بابي كلما تطرقت إلى نص عمار مجددا بعد سبات دنيوي.

أسيل من تحت قطع الشاش البيضاء

ولايستطيع الكون

حتى أن يغرس مديةً ملتهبة من الجمر جانبه

لايستطيع خياطتي

لايستطيع نزع الجرح المُقّيِحَ على قلبه

هذه الكلمات قوالب وجودية تصنع في مجملها مرآة تعكس شكل الواقع، طبيعته القاسية، بإلحاح يشغل وظيفة خنجر مزدوج، مرة في تأكيد خطورة المشهد الوجودي المباشر عبر ” أسيل”، وأخرى في التشديد على لاجدوى بعينها تسم المجهود وتجهض المحاولة عبر ” لا يستطيع”..

إذن عبر التكرار والإستعارة والتناقض، يجسد عمار الصديد والقيح رمزا لألم أصيل، ألم لا يمكن الشفاء منه، ألم وجودي لا يصيب الذات البشرية فقط، بل الكون بأكمله، ويجعل منه شيئا معطوب.

في محاولتي لترجمة هذا النص، حولت بقدر ما أستطيع الحفاظ على التأثير القوي للأدوات الأدبية في ضربها لهكذا طبول وجودية، على أن التكرار في الإنجليزية- وهو أمر سيتكرر كثيرا في أسلوب عمار، لأغراض صورية وفلسفية مختلفة، أبرزها الإلحاح، وصقل الصورة الكلية للنص عبر حلقة من الصور المترابطة، غير مستحسن من ناحية بنائية، لكن بطريقة ما، لم يصب التكرار القوة المتفجرة للنص بأي أذى.

I flow like blood                       
from the wound of the universe            
I flow with a strange color                
swiftly                             
I flow with an alarming swiftness           
I flow from beneath the white batch       
and the cosmos                     
can’t even plant a flaming hand of fire      
next to it                         
can’t stitch me                    
can’t take the open wound off its heart   

   “على ظلي تختفي ملامحي”    

الظل مرآة مشوهة للذات، تختفي فيها الملامح الحقيقية وترد فيها الذات لشكل الجسد الخارجي، بإعتباره حدا وهوية. كل مقطع في هذه القصيدة يبدأ بحرف الجر والمجرور “على ظلي”، والظل هنا خارطة للمكان، ويمثل التكرار الهيكلي دورانا في الفراغ، إيقاع عبثي يصور قصورا وخللا فادحا في ديناميكا الثنائي، الكون والذات، أو إن شئت قل الظل.

على ظلي

لاتظهر الندوب

الجسد يحاول مواساتي

أحيانا

على ظلي

لاتسيل الدموع

تهرب الأعين من نهاراتي قائظة

على ظلي

لا أثر للمشيب

أحاول أن أكون طفلا دائما

على ظلي

لاتنبت الأظافر

عبر الإستعارات اليومية، تبدو لنا سخرية عمار ماثلة كغرضها، وهو كون مختل. في كون يسرق الذات من نفسها ويتركها عرضة للتغرب يصبح الظل هوية وجغرافيا، ويضحي الجسد مواسيا، صديقا وفيا لأحلام الطفولة، نابذا نواميس الكون عبر تصديه لتيار النمو المتعاد، فلا أظافر تنبت هناك، ولا أعين ترى، ولا آثار للمشيب. وقد يأخذنا الهاجس الذي ينضح به نص عمار في هذه القصيدة إلى تذكر مقطع محمود درويش في وصفه لمهمة إدوارد سعيد المستحيلة في قوله “أدافع عن حق طروادة في إقتسام الرواية” وفي “أدافع عن فكرة كسرتها الهشاشة”…

ولا أخفي القول أن هذا النص محبب، فقد كانت ترجمته سلسة، في الشكل والمصطلح، وحتى في الإيقاع، حافظت- في رأيي- على قوة النص الحقيقية وحسه الوجودي العميق…


on my shadow
the scars don’t show
the body tries to console me
sometimes
on my shadow
the tears don’t fall
my eyes escape
my scorching days
on my shadow

There’s no sign of aging
I try to be a child forever
on my shadow
nails don’t grow
I try to survive bestiality
on my shadow
the map of the world
which I’d tattooed on my arm
  doesn’t appear
my body alarms me
of alienation.

               “العالم حتى بعد أن فرك عينيه جيدا لم يراني”


عمار، إن صح التعبير، هو سورين كيركيغارد بحلة شعرية حديثة. فها هو ذا هنا مجددا يتصدى بأدواته الشعرية لذات المشكل، وهو مشكل يمثل جوهر الفلسفات الوجودية منذ كيركغارد وصولا لسارتر وألبير كامو، ثنائية الذات والعالم، منظورا لها عبر نافذة التجربة النفسية للفرد.

بعد أن أفاق من ثمالته بدمي

كان مصابا بالكيتوك

فابتلع قلبي

 قرص إسبرين                                                 


العالم عدو سكران، قد أفاق لتوه بكيتوك، عالم منزعج، عدائي مدمن، عالم ديكتاتوري، يلاحق طريدته بمحاكم التفتيش، عالم همجي، يختطف الأحبة مهددا، عالم مريض، يبتلع القلب وينتشل الحياة ممن أراد بغرض التداوي والعلاج.

عالقاً في خرابه                                                    

كأننا في فيلم

وكأنه

اختطف حبيبتي

يقول:

خطوةٌ واحدة

وسأفجررأسها


إنه نص سينمائي بإمتياز، بطبيعة مشاهده الدرامية، والطابع التشويقي الذي يتجلى عبر تلك المشاهد، وعلى النقيض من التطور المعتاد للنص السينمائي الوجودي، فإن الذات هنا لا تلعب دور البطولة، بل تأخذ أدوارا جانبية سخيفة، كالمفعول به في جملة إسمية، بينما العالم، وهو بطل كل هذه المشاهد، يسلك كيفما أتفق، ويصنع ما يحلو له بالذات التي تبعثرت في أرجاء المكان، مستخدما لكل تلك الأشكال المشتتة وفقا للحاجة، في محاولته للتخلص من الكيتوك، وفي محاولته للتغلب على شتى أشكال العلل.

كأنني كفرت بماهيته

يلاحقني بمحاكم التفتيش

بالاكتئاب

قال لنتسابق

وقف مكانه

وأطلق كلابه علي

هكذا هو الإنسان، عرض جانبي لكون مريض. شيء هامشي، ضئيل، يمكن التخلص منه بأكثر الطرق عبثية، وما تجربة الفرد النفسية سوى محاولة مستمرة لتجنب هذا الوحش الأسطوري الذي هو العالم مرارا وتكرارا، لكن بلا جدوى، فكل تجربة نجاة تمثل هزيمة صغيرة، وما الحياة سوى سلسلة من هذه الخيبات الصغيرة الرثة، التي لابد أن يتوجها العالم بالموت، بالهزيمة النهائية، بالمشهد الختامي.

The world
even after rubbing its eyes
hard
didn’t see me
after sobering
 from its stupor with my blood
had a hangover
so he swallowed my heart
an aspirin pill
stuck
 in its ruins
as if we were in a film
as if he kidnapped my beloved
he says:
one more step and I will
blow her brains off
as if I
 disbelieved in his essence
He chases me
 with inquisition
with depression
He said; let’s race
He stood
 in his place
and sent his dogs after me
 






اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *