الإجهاض؟
شعرت بقشعريرة هزتني عظماً بعظم، نظراتي المهشمة إلى صورة الطفل المرمي وقد جرحت مناطق مسدلة في الروح، كأنني الأب أو الأم التي قامت برمي قطعة من قلبها أو كله مرة واحدة على قارعة النسيان والطريق الموحشين.
غرقت يومي كله أبحث في معنى الإجهاض، بين كونه إجراء طبي أو قرار شخصي كما تقدّمه بعض النظريات الليبرالية.لكنني أعرف أنه ذلك المسرح الذي تتقاطع فيه الأخلاق والقانون والسياسة والدين وحقوق الإنسان.
وكما هو معلوم في سياقات الحرب يتحوّل الإجهاض إلى سؤال وجودي،كيف نقارب قرارًا متعلقًا بجسد امرأة لم تكن تملك جسدها أصلًا؟
أي عندما تتحول أجساد النساء إلى حقول قسر وعقاب وتأديب سياسي عبر الاغتصاب، الاستعباد الجنسي والجنس مقابل الغذاء ويصبح التفكير حول الإجهاض نقاشًا عن العدالة ما بعد العنف..
وإذا ما أردنا مثلا،قياس مبدأ الحرية الفردية وحق المرأة في اتخاذ قراراتها دون تدخل الدولة أو المؤسسة الدينية التي تفترض شرطًا غير متوفر في الحرب، وهو أن تكون المرأة فاعلًا حرًا لا مُكرهة ولا منهوبة الإرادة
وأخرى ترى أن الجنين كائن ذو قيمة كاملة وأن الإجهاض قتل، لكنها تتجاهل السياقات التي تُحمل فيها النساء حملاً بالعنف أو حين يستخدم الاغتصاب كسلاح سياسي أو إثني كما حدث في الإبادة الجماعية في الجنينة والفاشر والجزيرة، ووجهات نظر نسوية أخرى ترى أن السيطرة على الإنجاب أداة سلطة ذكورية وأن الإجهاض حق وجودي.
وفي الحرب،يصبح رفض الحمل الناتج عن اغتصاب شكلًا من أشكال استعادة السيطرة على ما تبقى من الذات، لذلك لا يمكن الحكم على قرار الإجهاض خارج شبكة علاقات: الصدمة، الفقر، الانهيار الأسري، الدين، الخوف من الوصمة، غياب الدعم الطبي، وتهديدات المسلحين.
بحيث يصبح الإجهاض قرار نجاة لا مسألة أخلاق كما يرى البعض، لقد سمعنا أو رأينا مئات حالات الاغتصاب، بعضها جماعي، بعضها أمام الأسرة، بعضها بغرض التطهير أو الإذلال، فتيات حوامل بعد اغتصابهن في النهود ونيالا والجنينةوالجزيرة،ناجيات حملن في سن 13 و14 عامًا، نساء في الخرطوم تم اغتصابهن بشكل متكرر في بيوت داخل أحياء محاصرة،حالات لجأت إلى الإجهاض السري بطرق خطرة، لأن المستشفيات منهارة أو خاضعة لقوى مسلحة،والخوف من الوصمة الإجتماعية أو الأهل لتجنب مخاطر كل ذلك وأكثر..
أفكر في هذه الحالات هل يمكن أن يكون الإجهاض خيارًا أم آلية لإيقاف العنف الذي يستمر داخل الجسد حتى بعد توقف الفعل نفسه؟
لقد ظهرت شهادات عن احتجاز نساء في منازل وتبادل ملكيتهن بين المقاتلين وفرض علاقات جنسية قسرية مستمرة واستغلال الزواج بالإكراه كغطاء للاستعباد والتي غالبًا ماتؤدي لحمل غير مرغوب لا تملك فيه المرأة حق الرفض وقد سمعت كثيرا غير مرة،أن نساء مضطرات لمقايضة أجسادهن من أجل طعام، دواء، أو مكان نوم وكيف أن هذا الإكراه الاقتصادي يساوي الإكراه المسلح في قوته ونتيجته وكيف يمكننا إعادة التفكير في حالة المرأة التي تُغتصب في الحرب وقد فقدت السيادة على جسدها، وبالتالي فإن الإجهاض هو محاولة لإعادة تعريف الملكية على جسدها أن تستعيد ما سُرق منها بالقوة.
وكما يطرح الفلاسفة المعاصرون مفهوم العدالة ما بعد الضرر، أي الإجراءات التي تحاول إعادة توازن أخلاقي بعد جريمة كبيرة، هنا الإجهاض يساوي محو الجنين لكنه أيضا تقليل لأثر الجريمة على روح الناجية وحياتها المستقبلية، وبالطبع إن إجبار امرأة تعرضت للاغتصاب أو الاستعباد الجنسي على إكمال الحمل هو شكل من أشكال استمرار العنف وإعادة إنتاج الصدمة وتحويل الضحية إلى أداة لإظهار الضبط الأخلاقي وهذا معضلة أخرى..
قرأت هلعًا أن فتاة نطت من سطوح منزلهم بحي العباسية بعد أن رأت الجنجويد يقتحمون بيتهم،وعن نساء أخفين حملهن حتى الولادة خوفًا من القتل أو الطرد.ولأننا مجتمع يلوم الناجية بدل الجاني،الكثير من الأسر أجبرت بناتها على الإجهاض وأخرى أجبرتهن على الاحتفاظ بالجنين للمحافظة على السمعة
و يتحول الجنين نفسه إلى ساحة صراع بين الدين، العائلة، المجتمع، القانون، والمرأة نفسها
وتجد في القانون السوداني الذي يجرّم الإجهاض إلا لإنقاذ حياة الأم، لا اعتراف قانوني واضح بالحمل الناتج عن الاغتصاب كسند كافٍ للإجهاض،وهاهي أنظمة العدالة المختلة قد انهارت خلال الحرب، فصار القرار بيد الأقوى لا القانون فهل يمكننا القول: في هذا الوضع أن الإجهاض يصبح مسألة نجاة ذاتية؟
وهل بين كل ذلك ثمة مركزية للناجية،ومامدى معقولية أن القرار يجب أن يكون بيدها وحدها لأن
لا أحد شاركها الصدمة ولا أحد سيحمل أثرها غيرها، وأنه لا يجوز محاكمة قرار الإجهاض دون معرفة
الاغتصاب، الإكراه، العنف، الفقر، النزوح، الاستضعاف ومتى يجب أن يُنظر للاجهاض كأداة لشفاء الجسد والروح وليس كجريمة؟
وكيف يمكن أن تُدوَّن شهادات الضحايا حسب رضاهن لتتحول من قصص معزولة إلى مخزون معرفي يغيّر القانون، والمجتمع، والسياسة ويدعم حقوقهن ووجودهن في العدالة الانتقالية ومابعدها،ونعي الدرس العظيم،أنه حين تخرج امرأة من جحيم الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي هي بحاجة إلى عدالة، رعاية، علاج، دعم نفسي، قانون يحميها، وأصوات تدعمها..
..


اترك تعليقاً