(١)
في مسرح التاريخ التقليدي، حيث تحتل سير العظماء والمعارك والحروب مركز الصدارة، يطلّ علينا كتاب نشأة الأوبئة: كيف صنعت الجراثيم تاريخ الإنسانية لجوناثان كينيدي بمثابة زلزال معرفي يقلب المنظور رأسًا على عقب. فمن خلال عدسة الميكروبات، لا يعيد هذا الكتاب كتابة التاريخ فحسب، بل يكشف كيف كانت الجراثيم محركات خفية صاغت البنى الاقتصادية والاجتماعية ورسخت التفاوت الطبقي عبر العصور. هذا المقال يعيد صياغة أفكار الكتاب مع التركيز على البعد الاقتصادي والطبقي، مستحضرًا عوالم أفلام وروايات جسّدت هذه العلاقة المعقدة.
(٢)
من الهامش إلى المركز: الميكروب كفاعل اقتصادي
لم تكن الجراثيم مجرد كائنات دقيقة عابرة في مسيرة الحضارة، بل كانت قوى هيكلية عميقة أعادت تشكيل التوزيع العالمي للثروة والسلطة. يقدم كينيدي أطروحة تاريخية–بيولوجية مفادها أن الأمراض المعدية شكلت نشأة الحضارات، وصعود الإمبراطوريات وانهيارها، وأنماط التفاوت الطبقي، والمسار الطويل للعولمة البشرية. فالتاريخ، في منظور الكاتب، هو نتاج تفاعل معقّد بين التطوّر الميكروبي، والبيئة، والهياكل الاجتماعية والسياسية .
(٣)
لقد غيرت الأوبئة النسيج الاقتصادي للمجتمعات البشرية بعمق، حيث أعادت توزيع الثروات، وغيرت أنماط الإنتاج، وقلبت موازين القوى الطبقية. فالأمراض لم تكن مجرد كارثة صحية، بل كانت محولات اقتصادية عملاقة، رسمت خرائط الفقر والغنى عبر القارات.
(٤)
الموت الأسود وتحولات النظام الإقطاعي
مثّل طاعون العصور الوسطى “الموت الأسود” نقطة تحول جوهرية في البنية الاقتصادية الأوروبية. أدى الانهيار الديموغرافي الهائل إلى نقص حاد في اليد العاملة، مما دفع بالأجور للارتفاع وقلل من قيمة الأراضي. هذه التغيرات قوضت الدعامات الاقتصادية للإقطاع، وساهمت في بروز أشكال أولية للرأسمالية . لقد كان الوباء هنا محررًا اقتصاديًا غير مقصود، كسر قيود النظام الإقطاعي ومهد لتحولات اجتماعية واقتصادية كبرى.
(٥)
يكشف الكتاب كيف شكّلت الأمراض سلاحًا اقتصاديًا حاسمًا في نجاح الاستعمار الأوروبي للأمريكيتين. لم يكن الغزو العسكري هو العامل الحاسم، بل “الغزو الميكروبي” عبر الجدري والحصبة الذي دمّر السكان الأصليين، مفسحًا المجال لاستعمار أراضيهم وثرواتهم . لقد كانت المناعة غير المتكافئة بين الغزاة والسكان الأصليين أداة لتحقيق مكاسب اقتصادية هائلة، أسست لنظام اقتصادي عالمي جديد قائم على التبادل غير المتكافئ.
(٦)
مع انبلاج العصر الصناعي، انتقلت الأوبئة إلى مرحلة جديدة. المدن المكتظة والمصانع الملوثة أصبحت مختبرات خصبة لأمراض مثل الكوليرا والسل، ما اضطر الدول إلى اختراع “الصحة العامة” كضرورة لاستمرار النظام الرأسمالي نفسه . لكن هذه الإجراءات لم تكن دوماً لصالح الفقراء، بل لضمان استمرارية عجلة الإنتاج، مما عمّق من الهوة الطبقية وجعل صحة الفقراء ضحية للثروة التي ينتجونها.
(٧)
يرسم كينيدي خريطة اللامساواة الوبائية في العالم المعاصر، حيث تتركّز الأمراض المعدية في البيئات الفقيرة، بينما تتحقق سيطرة شاملة في الدول الغنية . وهذا يثبت أن الفقر ليس ظرفًا اجتماعيًا فقط، بل عاملًا بيولوجيًا يعيد إنتاج المرض ويؤبد دائرة التخلف. فالمجتمعات التي تتحمل العبء الأكبر من الأمراض هي نفسها التي تعاني من نقص الموارد للعلاج، في حلقة مفرغة من التهميش الصحي والاقتصادي.
(٨)
تجسيدات فنية: الأوبئة والطبقة في السينما والأدب
فيلم “Contagion” (2011)
جسّد هذا الفيلم بكفاءة كيف تتفشى اللامساواة الطبقية مع تفشي الوباء. بينما يختبئ الأثناء في منازلهم الآمنة، يضطر الفقراء للمخاطرة بحياتهم للعمل، مما يزيد من تعرضهم للعدوى. الفيلم يصور التباين الطبقي في مواجهة الجائحة، حيث يصبح الوباء مكبرًا للفوارق الطبقية.
رواية “الطاعون” لألبير كامو
رغم تركيزها على البعد الوجودي، تلمح الرواية إلى التفاوت في معاناة سكان المدينة من الوباء. فالفقراء هم الأكثر معاناة من تداعيات الحجر والعزل، بينما يتمكن الأغنياء من الوصول إلى موارد أفضل للتعامل مع الأزمة.
فيلم “The Constant Gardener” (2005)
يتناول هذا الفيلم بشكل صارخ كيفية استغلال الشركات الدوائية للفقراء في دول العالم الثالث لتجربة الأدوية، مجسدًا الاستغلال الاقتصادي في مواجهة الأمراض ، حيث تتحول الصحة إلى سلعة والأمراض إلى سوق استثماري.
رواية “عالم بلا رحمة” يوثانيا
تقدم هذه الرواية رؤية مستقبلية لكيفية تحول المناعة إلى امتياز طبقي، حيث تصبح القدرة على مقاومة الأمراض مقصورة على الأغنياء، بينما يُترك الفقراء ضحايا للأوبئة في نظام اقتصادي قاسٍ.
(٩)
ختاما : الوباء كمرآة للمجتمع
يختم كينيدي رحلته الفكرية بتأكيد أن عصر الميكروبات لم ينتهِ، وأن المستقبل سيشهد استمرار دور الميكروبات كفاعل تاريخي، وأن التعاون الدولي والتوزيع العادل للثروة والمعرفة سيكونان شرطًا لتجنب كوارث مشابهة .
الكتاب يذكرنا بأن التاريخ البشري ليس حوارًا بين العقول والأيديولوجيا فقط ، بل هو حوار صامت وجوهري مع كائنات دقيقة، كانت ولا تزال تشاركنا نسج خيوط مصيرنا المشترك. الأوبئة، في النهاية، تكشف عن أمراض المجتمع أكثر مما تسبب فيه من أمراض، فهي تعري أنماط اللامساواة وتفضح الظلم الاقتصادي، وتجبرنا على مواجهة الحقائق المرة عن توزيع الثروة والسلطة في عالمنا.
بهذه القراءة يصبح التاريخ البشري قصة تعايش وصراع طويل مع كائنات دقيقة كانت وما تزال تعيد رسم العالم، ليس فقط بصورة epidemiological، بل اقتصادية وطبقية أيضًا


اترك تعليقاً