«عندما أردت نزع القناع عن وجهي، التصق بوجهي. وعندما سحبتُه ونظرت في المرآة، كنت قد شختُ بالفعل…».
إن هذه الجملة ترعبني بشكلِ غير مسبوق، لأنها دائماً تفتحُ جروحاً داخلي أنا في غنى عنها، إن حياتي زاخرة بالحزن ” أنا عالمُ بالحزنِ منذ طفولتي، رفيقي فما أُخطِيهِ حين أُقابِلهُ ” و ما أصعبَ مأساةِ تميم و ما أهونَ مأساتي، و علَّهُما نفسُ الشيء… ضياع الوطن و ضياع الذاتْ.
أجد نفسي في كثير من الأحيان أفكر : ” لماذا هذا الأمر سهل جداً بالنسبة للأخرين؟ ” كيف يستطيع أحدهم أن يكون نفسه هكذا فقط دون خوف أو قيد، أن يخلعَ كل ما يجعلهُ مجرد شيء جامد و يتحول بشكل ساحرِ لمخلوقِ سامي. آه! اتصور أنه أعظم شعور قد ينالهُ المرء، أن يتحرر من غيلانهِ الداخلية و يذوبَ في هذه المتاهة المدهشة و المتعبة في نفس الوقت… ” الحياة ” .
موخراً فكرتُ كثيراً في مسألةِ الكتابة بالنسبة لي، ما الذي يدفعني للكتابةِ اصلاً؟ ما الجديد الذي سأُضيفهُ لهذا العالم؟ فكرت كثيراً و لكني أغفلتُ عن شيء مهمِ جداً و هو خصوصيةِ فعل الكتابة، حين نظرت جيداً في كل النصوصِ التي كتبتُها وجدت أني أخاطبُ نفسي فيها دائماً_ مباشرةً أو عن طريق شخصِ أخر_ المهم أني دائماً على الطرف الأخر من المحادثة، و السبب وراء ذلك؟ أظنهُ هذا القناع الذي لا أعلم متى لبسته، هُنالِكَ فجوة كبيرة بين ما أنا عليه و ما أظهرهُ للناس، حتى أنني أشعر بالحِيرة في بعض الليالي حول من أنا؟ هل هذا القناع هو حقيقتي أم أنه نوع من الوهمْ الذي أسقطتهُ عليّ حتى أواجهَ الواقع؟…. الكتابة تُذيبُ بشكل ما هذه الفروق و تمنَحُني نظرة و لو باهتة عمَّ أنا عليه، أنني حين أشرعُ في كتابة أمر ما ثم أتوقفْ، تُلاحِقني الكلماتُ دائماً، أجدُها في كل منعطف و زاوية، تقتحمُ أحلامي و تأتي على شكل أشياء مبتورة، تثور و تضِجْ و تموج علّها تموت على صدر الورق، تصرخُ لتذكرني بنفسي، بحقيقتي! حتى أنّصاع. لهذا أكتب؛ لنفسي أولاً، أكتب حتى أعرفها جيداً و بعدها حتى لا انسى أو أجنْ أو أطلقَ على نفسي الرصاص.
لذا إذا كان لديّ مشروع أدبي في المستقبل، أظنهُ سيتضمنُ تجربتي الشخصية في هذه الحياة كحجرِ أساس، منطلقاً منها و متماهياً معها. إن شعور الوحدة من أكبر المواضيع التي تثيرُ اهتمامي ليس لأنه أصيلُ في داخلي فحسب بل لأنه شعور مُربكْ، هل تعلم ما الذي يدفع الناس للحُبِ او الصداقة او أي شكلِ من أشكالِ الحياة الأجتماعية؟ لانه في هذا العالم الكبير جداً يريدون أن يكون هناك أحداً شاهداً على حياتهم القصيرة، أن يكون بجانبهم شخص يقول: ” إن حياتكَ لن تذهب سُدىً؛ لأنني موجود ” . بدون هذا الشعور يفقدُ الإنسانُ اتزانهْ و تصبحُ كل الأشياء في نفسه ذات طابعِ واحد، و تفقدُ الحياة كل ما يجعلها تستحق أن تُحيا، يصبح الإنسان مجرد مسخِ يمشي على قدمين، أن هذا الشعور يُخلّفُ في النفس أثراً جسيماً و يصبحُ الهواء ثقيلاً كالحِجارة، و الحياة؟ تصبحُ بلا معنى.
و يعودُ الفضلُ لشعورِ الوحدة في إكْتِشافي للأدبْ، منذ أن كنت طفلاً صغيراً كنت أعالجُ هذه المسألة بالقراءة، كنت أحبُ مجلة ماجد حد الجنون، و تستهويني تلك القصص و الشُخوص، أقضي معظم وقتي في قِرأتها، و أنتظرُ العددَ الجديد كل بداية شهر لأقتنيه، حتى أنني كنت أفهمُ ما يمرُ به ” ملكُ الجليد ” في كرتون ” وقت المغامرة ” فهو لم يرغب في شيء سوا بعض الرِفقة و السلوى في حياته البائِسة و الحزينة، حين تقدم بي العمر أحببتُ رجل المستحيل، الشخصية التي تستطيع فعل كل شيء تقريباً من قيادة طائرة إلى تفكيكِ قنبلةِ موقوتة، يخرج من اسوأ المواقفِ بدهاءِ عجيب، كل هذه القراءاتْ كانت فقط لدرءِ الوحدة، و محاولةِ الإندماجِ مع الحياة باي شكلِ كان و لو أقتضى الأمر أن أصنعَ حياة موازية. لكني ما زلتُ أتذكر اللحظة التي وقعتُ فيها في غرام الأدبْ، كان ذلك حين قرأتُ رواية ” مرسي فاطمة ” لحجي جابر و كان هناك عاملين رئيسيين دفعاني لأن أنطلقَ بعدها في عوالمَ لم أظن يوماً أن بإمكاني أن أصل إليها، أولهما هو إعادة تعريفي بجذوري، آه ارتريا التي تنصلتُ منها دائماً لكني كنت أراها كل يوم أمامي، متجسدة في أمي و ضفائرها السوداء، في تجاعيدِ يديها و جبينها الأسمر، و أغاني ادريس محمد علي، إن للأدبِ قدرة مدهشة على نبشِ الذاكرة و هز الخرائطِ الأدراكية، يقول يوسا ” لا يقول الأدب شيئاً لمن هم راضونَ بما لديهم، لمن يرون الحياة بما يعيشونها الآن “ و أنا أذهب لما ذهب إليه أن الأدب مزعج، لأنه لا دعوة له بطمئنتكْ، هذه ليست وظيفة الأدب، وظيفتهُ أن يسردَ لك الحياة كما هي… ساحرة و مخيفة. و السبب الآخر كان أفتناني الشديد بشخوصِ الرواية، كنت حين أقراها أرى سلمى أمامي و هي تلوحُ لي و تغني ” بلنيتا بلنيتا… نايكا انا بلني “ و أرى كداني و علي ، و أعايشُ معهم كل ما يُعايشونه، أعيشُ معهم أحزانهم، و أشعر بما يشعرون، و ليس بغريبْ أن العمل الثاني الذي ختم على قلبي حب الأدب، هو من النوع الذي يدمي القلب و يخبرك أن الكلماتِ المكتوبة لها القدرة على أن تطير، و تهزمَ كل أشكالِ العوائقْ و العذابات، لتصلَ إلى ضالتها، رواية ” القوقعة ” التي يحكي فيها عن تجربتهِ الوحشية في سجون سوريا، بعد أن أكملتُ الرواية و للمرة الأولى في حياتي أحسستُ بأن للحريةِ طعم، طعم حقيقي شعرتُ به في لساني، كانت الأشجار مخضرة أكثر و الهواء يحملُ عبقاً مختلفاً عن اليوم السابق، لم يتغير شيء في هذه الأشياءِ بالطبع لكني أنا من تغير، لحظتها فقط آمنتُ أن الأدب يحملُ بين طياتهِ كل الحلول لمشاكلي، و كل الإجاباتِ على تساؤلاتي، عليّ فقط أن أستمر في القراءة.
قادني شعور الوحدة للتعرف على شيء أخر أصبح جزء كبير من حياتي… ” السينما “. فيلم ” قدمي اليسرى ” كان مدخلي الى هذا العالم الساحر و العجيب، يستعرضُ الفيلم حياة الكاتب ” كرستي بروان ” الذي ولد مشلولاً ما عدا قدمهِ اليسرى و مع ذلك أصبحَ كاتباً و رساماً، كان هذا الفيلم اشبه بسيمفونيةً موسيقية، أخذني من تحت ذراعي و جالَ بي في شوارع ايرلندا، من حين لأخر أشاهدُ جزئيةً محددة في الفيلم، و هي اللحظة التي كتب فيها كرستي كلمة ” أمي ” على ارضية البيت، كانت هذه هي اللحظة التي ولد فيها كريستي حقاً، و اللحظة التي تقبلهُ فيها المجتمع ابتدأً بأبيه. بعدها ابحرتُ في كل الإتجاهات، من هوليوود إلى سينما تاركوفسكي الكئيبة الى سحر السينما الفرنسية و بساطة الايرانية، دون أن انسى السينما الكورية الرائعة. فكر فيها يا عزيزي، ساعتين على اقصى تقدير تُكثفُ لك تجارب حياة آخرين و تخبرك ” أنت لست وحدك ” إن الاغتراب عن الواقع أمر أساسي لمحبي الأفلام في رأي، إن الأشخاص غير المهتمين بالسينما و الفن عموماً هم أناسُ لم يجرحوا بعد أو أنهم يعيشونَ الحياة فعلاً دون إنفصالِ، السينما تشبهُ الشعر كثيراً بالنسبة لي، كلاهما يستطيعُ قول الكثير في مدة بسيطة.
بعد كل الذي سبق لا أستطيع أن أنكرَ فضل الوحدة، لكني و أثناء كل ذلك لبستُ قناعاً طغىْ على حقيقتي، خوفاً او هرباً من الألم، حبستُ مشاعري و أفكاري الحقيقة، أخبئها، و أطمئنُ عليها من حين لآخر، صارت هي سِلاحي في مواجهةِ هذه الحياة الغريبة التي لا أعلم عنها شيئاً، في كثير من الأحيان أشكُ في فكرة وجودي في حد زاتها، أفتحُ يدي و أنظرُ اليها فترة من الزمن، أخاف أن ألمسَ نفسي فأتلاشى، في لحظة أشعر بانني فهمتُ كل شيء بل حللتُ الغازاً حيرتْ الفلاسفة لعقود، و في اللحظة التي تليها أنظرُ أمامي فلا أعرف الحقيقة من الخيال، و لا أعرف إذا كنت في يوم سأعرفُ شخصاً أستطيعُ أن أكون معه بشكلي الحقيقي. قبل عدة أيام و أنا أتحدثُ مع أحد أصدقائي عن الموت، وجدتهُ أشمئزَ من الحوار و سألني أن نتخطى الكلام في هذا الموضوع لأنه يزعجه، لذا رحتُ أفكر لماذا سيرة الموت مزعجة الى هذا الحد؟ رغم أنها أقدم حقيقة عرفها الأنسان، في رأي أن البشر لا يخافونَ الموت كونه عملية بايولوجية لابد أن تحدث، فالبشر على سبيل المثال لا يخشونَ الجوع او العطش، او النوم لكنهم يخافونَ المجهول، يخافونَ ما بعد الموت او حتى ما قبلهُ، إن تاريخ البشرية هو تاريخ معرفة، بل إن الخطيئةَ الاولى التي أنزلتْ الانسان من الجنة كانت الفضول، لذا الانسان لا يستطيع التعامل مع الموت بصورةِ عادية، لان الموت باختصار يستطيع هزيمته كل مرة و أنا لي مذهبي الخاص في تحليلِ فكرة الموت و فهمِها و محاولة تفكيكها، إن الموت أمر مؤلمُ بالفعل لكن السنا نفهم الحياة اكثر عن طريق الموت، نحبها أكثر و نشعرُ بها بشكل اكثف؟ لنتخيلْ انه لا وجود للموت، ستصبحُ الحياة عبءً لا يطاقْ و مللاً لا ينقطع، لكن لأننا نعرف أنها ستنتهي في يوم ما تصبح الحياة مثيرة لهذه الدرجة، إن كل الارواح التي غادرتنا تصرخُ في أذننا من وراء حجاب ” أنظروا الى الغيوم بعيونِ الاطفال، و أضحكوا في وجه الزهور كأنكم ترونها لأولِ مرة ” أنه يعهدونَ الينا بكل الأشياء التي لم يفعلوها، لذا أنا لا أخاف الموت لكن لدي عليه عتب، اذا جاء قبل أن أعرف نفسي، قبل أن تُزالَ الغشاوةَ عن عيني. أجلسُ وحدي كثيراً متأملاً الحياة علَّها تمنحُني شيئاً ما، لحظة من النبؤةِ أبررُ بها وجودي و لكني للأسف ” لم أعطَ من شرفِ النبؤةِ غير حزنِ الأنبياء و ليس عندي صبرهم ” لذا علي أن أكتب اكثر لأن جسدي لن يسمحَ لي بالحياة طويلاً، علي أن أكتب لأتركَ جزء مني هنا، علي أن أكتب حتى إذا جاء الموت أبتسمتُ له لأنهُ جاء بعد أن عرفتُ وجهي الحقيقي.


اترك تعليقاً