مراجعات لنموذج اليسار الاكاديمي : حول علاقة الثروة بالسلطة

·

·

,

‎لا يُختزل التفاوت الاجتماعي في فجوة الدخل بين الأغنياء والفقراء اي انه ليس مسألة غيرة طبقية ، بل هو في جوهره تفاوت في القوة والنفوذ. فمن منظور الاقتصاد السياسي، لا يقتصر امتلاك الثروة على الرفاه المادي فحسب، بل يتعداه إلى القدرة على تشكيل السياسات والتشريعات، بل وإعادة صياغة قواعد اللعبة الاقتصادية ذاتها. فالأثرياء لا يقتصرون على امتلاك الطائرات الخاصة، بل يمتلكون أيضًا قدرةً على تمويل الأحزاب، والتأثير في السياسات الضريبية، وإعادة هيكلة قوانين السوق، بل وتحديد أولويات الحكومة نفسها. وهكذا يصبح التفاوت تفاوتًا في القوة، وليس في الرفاه فقط. وكلما اتسعت هذه الفجوة، تعمقت قدرة الأغنياء على إعادة إنتاج امتيازاتهم وتكريسها لخدمة مصالحهم .

‎تحسّن المستوى المعيشي لا يلغي إشكال التوزيع

‎لا ينكر اليسار الأكاديمي تحسُّن متوسط مستوى المعيشة عالميًا، لكن السؤال الجوهري ليس: “هل تحسّنت أحوال الفقراء؟”، بل: “من يحصل على الحصة الأكبر من القيمة التي يُنتجها النظام الاقتصادي؟”. تشير أبحاث بيكيتي وسايس وزوكمان إلى أنه خلال الأربعين عامًا الماضية، حصل رأس المال على نصيب متزايد من الناتج الإجمالي، بينما تراجعت حصة الأجور. لقد ارتفعت الإنتاجية، لكن أجور الطبقات العاملة لم تواكب هذا الارتفاع، مما يعني أن العمال ينتجون أكثر، بينما تستحوذ شركات التكنولوجيا والمال على معظم القيمة المُنتَجة. وهذا ليس تعبيرًا عن حسد طبقي ، بل سؤالٌ عن عدالة توزيع الثروة .

‎دور الدولة الحاسم في مكافحة الفقر

‎تروج الرواية الليبرالية بأن الرأسمالية وحدها هي التي أنقذت البشرية من الفقر، لكن الواقع التاريخي يشير إلى دور الدولة المحوري في هذا التحوّل. فالنمو الاقتصادي الذي أدى إلى تحسين مستوى المعيشة لم يكن نتاج “رأسمالية السوق الحرة” بمفردها، بل كان ثمرةً لتدخل الدولة عبر التعليم العام، والرعاية الصحية، والبنى التحتية، وشبكات الأمان الاجتماعي، والسياسات الصناعية، وتنظيمات العمل. فالصين، التي انتشلت نصف مليار إنسان من براثن الفقر، لم تعتمد على النموذج الليبرالي الخالص، بل على اقتصاد موجّه جزئيًا. كما أن دول أوروبا الشمالية، التي تتمتع بأعلى مستويات المعيشة، تجمع بين اقتصاد السوق ودولة الرفاهة القوية. وهكذا، لا تكون الرأسمالية هي البطلة الوحيدة، بل الأسواق والمؤسسات العامة والحماية الاجتماعية.

تداعيات التفاوت علي الاستقرار الاجتماعي

‎لا تقتصر خطورة التفاوت على الجانب الاقتصادي فحسب، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي نفسه. فالمجتمعات التي تتسع فيها فجوة التفاوت تشهد معدلات أعلى للعنف والاستقطاب السياسي، وتآكلًا في الثقة الاجتماعية، وصعودًا للشعبوية المتطرفة، كما تؤكد أبحاث ويلكنسون وبيكيت في كتاب “مستوى الروح”. لذا، لا يكفي أن نسأل إن كان الفقير قد تحسّنت أحواله، بل يجب أن نتساءل: هل يشعر بأن المجتمع عادل؟ هل تتاح له فرص حقيقية للتقدم؟ أم أن الفجوة الاقتصادية تسدّ أمامه منافذ الأمل؟

‎اي نموذج رأسمالي نريد؟

‎يواجه اليسار الأكاديمي السؤال المُتكرر: “ألم تكن الحياة أسوأ قبل الرأسمالية؟” بالردّ بأن المقارنة مع الماضي لا تقدم إجابة ذات معنى، فالسؤال الحقيقي هو: أي نموذج رأسمالي نريد؟ فهناك نماذج متعددة: رأسمالية أوروبية ذات ضرائب تصاعدية وحقوق عمالية قوية، ورأسمالية أمريكية تتركّز الثروة في يد 0.1% من السكان، ورأسمالية شرق آسيوية موجّهة صناعيًا، ورأسمالية جنوبية تابعة وشديدة التفاوت. ليست كل النماذج متساوية في نتائجها، والخيار ليس بين الرأسمالية أو لا، بل بين رأسمالية تكرس الهيمنة وأخرى تخدم الصالح العام.العدالة لا تعني إفقار الأغنياء

‎لا يدعو اليسار الأكاديمي إلى المساواة المطلقة، بل إلى تحقيق عدالة هيكلية عبر سياسات محددة: ضرائب تصاعدية، مكافحة الاحتكار، تنظيم الأسواق، حماية حقوق العمال، ضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، وتوسيع فرص الصعود الاجتماعي. الهدف ليس محو الفوارق الفردية، بل منع تحوّل الثروة إلى قوة سياسية تُضعف الديمقراطية وتُهيمن على القرار العام.

‎ختامًا

‎المشكلة الجوهرية ليست في وجود أغنياء وفقراء، بل في وجود أنظمة هيكلية تكرّس تركُز الثروة والسلطة. ليست القضية انخفاض عدد الفقراء، بل التوزيع غير العادل لثمار النمو. وليست الرأسمالية كآلية للإنتاج هي العدو، بل تحوّلها إلى اقتصاد احتكاري يهيمن على السياسة والمجتمع. في النهاية، اليسار الأكاديمي لا يرفض الرأسمالية كفاعلة اقتصادية، بل يرفض تحوّلها إلى قوة غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *