الكاتب: عثمان تلاف
سأل أحدهم الكاتب الكبير يحيى حقي: ” ما الفرق بين كتابة القصة القصيرة وبين كتابة الرواية؟” فأجاب:
“أنت أمام باب كبير مغلق. هيا بنا تفتحه. إننا نطل على الشارع والميدان والحارات. الناس تتحرك أمامنا بخطوات مسرعة أو متمثلة. يمكنك أن تحكي كل شيء تراه. حتى لو كان تاريخ هذه المجموعة من البشر كيفما تريد. يمكنك أن تنزل نهر الشارع ويمكنك أن تستقل قطارا ليعود بك للماضي، أو يتقدم بك للمستقبل. لكن إياك أن تقول ما هو زائد عن الحد. وعليك أن تعاود إغلاق الباب بعد أن تنهي عملك “
” وماذا عن القصة القصيرة؟”
همس بصوت خفيض: ” إذا تعال. انظر من ثقب المفتاح. ستقع عينك على دائرة. دائرة محدودة تكشف عن منظر بعينه لا امتداد له. هذه هي فكرة القصة القصيرة. لا يمكنك أن تفتح الباب كله، كما لا يمكنك أن ترى إلا ماهو عياني، يمكنك أن تتخيل ما وراء المشهد بحساب “
قصص ” تداعيات وفاة حضرة الصول” للكاتب السوداني أيمن بيك الصادرة عن دار روافد ضمن إصدارات عام2021م تضم أربعة عشرة قصة تتسم بالتنوع من حيث المواضيع والجدة والأبتكار في الأسلوب.
تداعيات حضرة الصول : منجز قصصي بديع وسرد متقن ولغة جيدة وموضوعات مبتكرة وعوالم مدهشة وغرائبيةساحرة .
“إن روح تشيخوف ترفرف في فضاء العالم من جديد” هكذا قيل ؛ باعتبار أن تشيخوف أحد الرموز الذين وظفوا السخرية بشكل واسع في إنتاجهم، ومجموعة تداعيات وفاة حضرة الصول القصصية هي من الأدب الساخر. إن الكاتب يؤلمك ويضحكك في آن. توظيفه للمفارقة الساخرة، والمأساة،و الترميز خلق عالم من السخرية الرافضة للواقع.
و قصة “وفاة حضرة الصول” التي كثرت فيها الشائعات وسارت الأقاويل حول تداعيات وملابسات وفاته تكشف نفسية المجتمع في إختراع الشائعات وتصديقها.
وأجد أن الكاتب مشغول بهموم الكتابة ومثقل بهواجسه فمن قصة “روائي بلا رواية” التي تغوص في التداعيات النفسية لشخصية مرسال وهو من أكبر المتوجسين في المدينة؛ لتكشف عن روحه الحالمة وآماله الطامحة ودعواه العريضة التي جعلته روائي ولما يكتب رواية . وفي قصة “حوار الصراحة” يسخر من أولئك الكتاب الذين يبيعون الوهم والكلام الرخيص في المقابلات الإعلامية والمقالات المغرضة من شاكلة [ لماذا تكتب ؟
يجيب الكاتب: لأن الكتابة أختارتني الكتابة أشارت إلي بأصبعها وقالت تعال. فاعتنقتها منذ ذلك الوقت وصرت راهبا في محرابها لا أغادره حتى مماتي ] مخفيا دوافعه الحقيقية والتي قد تكون مشروعة فالروائي والأديب في نظر الكاتب إنسان وليس ملاكا خلق لأجل الكتابة حتى يحاط بهالة قدسية ليس لها كبير تحقق في الواقع. وفي قصة “رسالة غرامية في عيدها
الحادي والعشرين” ينقلنا إلى إرهاصات الكتابة ومخاضه العسير لميلاد نص بديع. وتجربة الكتابة التي تسبقها عوالم من
الحوارات النفسية والتفكير المرهق ولكن في قصة “توترات الأديب ” ينقلنا إلى مستوى أعلى من الهواجس الداخلية وهو يبرز لنا تلك المبادئ التي يمجدها الكاتب في أعماله وبين واقع يكسر تصوراته وعالمه اليوتوبي. وفي ذات النسق نجد قصة “الكاتب” كاشفا عن هوس الكتابة والبحث عن إلهام ودافعه. وأخيرا: حال الناقد وملابسات كتابة النقد في ” جناية السقف.”فهذه خمس قصص ساخرة ساحرة معا تناول فيها أيمن الكتاب وهواجسهم الشخصية ومعناتهم والظروف الإجتماعية والاقتصادية والسياسية وأثرها على العملية الأبداعية.
نلاحظ أيضا الغرائبية في قصة ” حياة مأساوية لذبابة شابة” والتي تحلق بنا في عوالم مليئة بالدهشة والغرائبية وقصة مأساة ذبابة شابة.
وكذلك قصة “مذكرة اعتقال” وهو مزج بين الواقع وعالم الجن ، ويوظف الكاتب الغرائبية لمزيد فهم للواقع. وفي هذه القصة ودراسة لنفسية مباحث الأمن الذي اعتقل حتى الشيطان وفي لمحة ساخرة ولفتة بارعة إلى أن الذين يصدرون مذكرات اعتقال في حق الشياطين بالطبع لن يرحموا البشر.
المأساة ثيمة أساسية في هذه المجموعة القصصية وعلى طريقة العملاق تشيخوف يكتب أيمن في قصة “طن من الاسمنت” عن المواطن ” س” الذي يقاسي مأساته بعد تهدم حائط بيته في الخريف ليبعث برسالة تلو أخرى إلى الوالي يطالب فيها ب “طن إسمنت” ليصلح حائطه وبعدها يعتقل بحجة إزعاج السلطات وعند تسريحه فاقدا عقله في المعتقل ولما يرى منزله يكتشف تهدم حائطه فيقرر الكتابة إلى الوالي إنها مأساة المواطن في عصر احتكار السلطة والثروة وتأليه الدولة.
أكتفي بالقراءة الموجزة والسريعة لهذه النصوص المختارة من المجموعة واختم بملحوظة مهمة: لغة الكتابة كانت مباشرة وجافة وفي القصص يستحسن كتابتها بلغة شعرية مفعمة ومفردات ذات دلالة مكثفة.
عثمان تلاف ٢٣يوليو


اترك تعليقاً