الترويض الإعلامي في الديمقراطيات الحديثة

·

·

, ,

يقدم تشومسكي وهيرمان في كتاب “صناعة الرأي العام” نموذجاً تحليلي ينسفان فيهما الوهم عن فكرة “الإعلام الحر” والمحايد. يجادل الكاتبان بأن وسائل الإعلام الرئيسية في الدول الديمقراطية (مثل الولايات المتحدة) لا تعمل ككلب حراسة للحقيقة والعدالة، بل كأداة فعالة لـ صناعة الإجماع وترويض الجماهير لخدمة مصالح النخب السياسية والاقتصادية المهيمنة.
فالبروباغاندا وهو إطار نظري يشرح كيف يتم “تصفية” الأخبار والمعلومات عبر فلاتر تضمن في النهاية تقديم رواية تتفق مع مصالح القوى المسيطرة علي سبيل المثال (ملكية الإعلام وتركيزه) تتمركز ملكية وسائل الإعلام الكبرى في أيدي عدد قليل من الشركات العملاقة المتعددة الجنسيات. هذه الشركات تسعى بالدرجة الأولى لتحقيق الأرباح وتعزيز مصالحها التجارية، مما يجعلها متوافقة مع أجندة الشركات الكبرى بشكل عام.
وكذلك فلتر (الأيديولوجيا المسيطرة ) مثل خطر الاشتراكية المحدق بالامة واقتصاد السوق الحر ، يقوم هذا الفلتر بخلق عدو مشترك أو إطار أيديولوجي يبرر سياسات الدولة. في زمن تأليف الكتاب، كان “الخطر الشيوعي” هو التبرير الأساسي للحروب والتوسع العسكري. لاحقاً، يمكن استبداله بأعداء جدد مثل “الإرهاب الدولي” أو “الدول المارقة”، مما يخلق إجماعاً وطنياً ويقمع الآراء المخالفة بتهمة “عدم الوطنية”.

يقدم الكتاب أمثلة عملية مذهلة لتوضيح نموذج البروباغاندا، أبرزها نظرية الحرب الإعلامية المزدوجة يقارن تشومسكي وهيرمان بين التغطية الإعلامية لجرائم القتل في دول معادية (مثل اغتيال الأب ييروفلافي في بولندا الذي نال تغطية إعلامية هائلة) وجرائم القتل في دول موالية (مثل اغتيال المونسينور روميرو في السلفادور الذي تم التعتيم عليه نسبياً). الفارق في التغطية لا يعكس الفارق الأخلاقي في الجريمة، بل يعكس المصالح الجيوسياسية للدولة.

النتيجة النهائية لنموذج البروباغاندا هي تحويل دور الإعلام من منبر للنقاش الديمقراطي إلى آلة لـ صناعة الرأي العام لا يتم منع المعلومات الصادقة بشكل كامل، ولكن يتم إغراق الجمهور بكم هائل من المعلومات التافهة أو المنحازة، مما يصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية ويخلق مواطنين سلبيين ومتوافقين.

لكن على الرغم من الصورة القاتمة، فإن قيمة كتاب “صناعة الرأي العام” تكمن في كونه سلاحاً للمعرفة. بفك شفرة آلية عمل الإعلام، يصبح المشاهد والقارئ أكثر وعياً وقدرة على طرح الأسئلة النقدية: من وراء هذه الرسالة؟ ولمصلحة من؟ يشجعنا الكتاب على البحث عن مصادر إعلام بديلة ومستقلة، وأن نتحول من متلقين سلبيين إلى مواطنين فاعلين وناقدين وهو الأمر الذي أصبح أكثر أهمية في عصر التضليل الإلكتروني والأخبار المزيفة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *