الجينوم و هندسة المجتمعات

·

·

, ,

بعد نشر المسودة الاولى لمشروع (الجينوم البشري) في العقود السابقة صار من المؤكد ان للجينوم قدرة استيعابية في تركيبته الحيوية بحيث ان الاختلاف في ترتيب نفس القواعد النيتروجينية المكونة له ينتج عنه منتج حيوي مختلف تماما عن غيره وهذه مقاربة للاختلافات الموجودة في تصوراتنا الثقافية التي بدورها تلقي بظلالها علي سلوكنا الفردي والجماعي .

ظهرت صناعة فحص السلالة الموجهة للمستهلك ، ونمت هذه الصناعة في كنف الرأسمالية وكنتيجة حتمية لتطور الرأسمالية جعلت المطامع البشرية تتسم بطابع علمي .

فقد صار تتبع الاصول ذو دلالات تاكيدية علي امتيازات غير مستحقة كالتسب العربي او الاصالة او النبل والفرق بين السيد والعبد مثلا او غيره ، وهذا هو المخيف في الامر ان هذه العلم الذي كان متوقعا منه ان يسد فجوات العنصرية والاستعلاء الطبقي والاجتماعي اصبح دليلا علي تأصيل هذه الفجوات اساسا .
إن علمَ الأنساب صَنعةٌ يعود تاريخها إلى عهد الكتاب المقدس، حينما كانوا يتتبعون سلالةً كهنوتية أو قرابة ملكية. ومع بداية القرن العشرين حظي تتبع السلالات في امريكا . كما وصفه (هيربيرت غانز Herbert Gans) «الانتماء العرقي الرمزي» قائلا “فهذا الانتماء يجعلك قادرًا على أن تعود بالذكرى إلى كاونتي كورك في إيرلندا في الوقت الذي تبتهج فيه وأنت في يوم ذكرى القديس باتريك في بوستن، وأن تعود بمخيلتك إلى أسلافك في صقلية في الوقت الذي تسير فيه في موكب احتفال ذكرى سان غينارو في حارة الإيطاليين في مانهاتن، أو أن يجعلك تُـعـلّق شعار النّبَالة وأنت في بيتك”.
بالنظر إلى التغير العظيم لعالمنا الاجتماعي بسبب علم الوراثة وتطبيقاته في العقد الأخير .
وعلى أن الفوائد الصحية الملموسة الناتجة عن مشروع الجينوم البشري قد تكون بالفعل «محيّرة»، إلا أن أثرَها الأكثرَ اتساعًا أثرٌ واضح. لقد انتشر علم الوراثة انتشارًا واسعًا، ولا ريب أنّ البحث الوراثي استحوذ على الطب الحيوي، بل إن قدرته على التنبؤ بالأمراض وعلاجها باتت واضحة كل الوضوح. ففي أوساط العدالة الجنائية، أصبح أمرًا مشاعًا، وسلاحًا ذا حدين، يؤدي دورًا في كل من الإدانة والتبرئة. ومن بين المعالم الأكثر جلاءً في عصرنا، عصرِ الجينوم، تلك الفحوصات الوراثية المتاحة تجاريًا التي تدّعي تحديد النسب والانتماء السلالي والهوية العرقية والانتماء العرقي. وفي شتى هذه الأوساط المؤسسية، فقد هرعنا (دون تمحيص في الغالب) إلى الحمض النووي بوصفه المفتاح الرئيس الذي يكشف كثيرًا من الأسرار.

بيانات الحمض النووي هي البيانات الجوهرية على الإطلاق.

فالبيانات الوراثية تحمل معانٍ شتى وتحوي معلومات يمكن استخدامها في نواحٍ متعددة في المجتمع أيًا كان مصدرها أو الغرض الأساسي من استخدامها. وكذلك فالجينات جامعة لأشياء كثيرة؛ فهي تنقل أصنافًا عديدة من المعلومات في الوقت نفسه. إذن فتحليل الحمض النووي متنقّل بين ميادين الطب العام والطب الشرعي وعلم الأنساب، وما وراء هذه العلوم، ليصل إلى مجموعة أوسع من ساحات المعرفة، حتى يصل إلى غرض أبعد. ويُتوصل الآن إلى أغراض وطموحات شتى بالاستعانة بعلم الوراثة أو عن طريقه. وهذا الانتشار يشكل الحياة الاجتماعية للحمض النووي.
وتسير منهجيةُ الحياة الاجتماعية للتعامل مع الجينات على خطى منهجيةِ عالم الأنتروبولوجيا (ارجون ابادوري Arjun Appadurai)، في كتابة (الحياة الاجتماعية للأشياء The Social Life of Things)، أنه حتى نفهم ماذا تعني الأشياء ولماذا هي مهمة، لا بد أن نتتبع سيرها في المجتمع «الأشياء أثناء سيرها»، وأن نلقي الضوء على «سياقها الإنساني والاجتماعي»، وأن نُبيّن «تعامل البشر وحساباتهم التي تجعل من الأشياء أشياءَ حيةً» . وإذا ما تتبعنا تحليل الحمض النووي بهذه الطريقة، فسنعرف لأيَّ موضع ولأيِّ علة نستدعي علم الجينات ليجيب عن الأسئلة الجوهرية للوجود الإنساني، وغالبًا يكون ذلك بزيادة استعمالاته الشائعة في علم الأنساب. وعلم الجينات اليوم يُستخدم في تكوين الهوية، ومشاريع التنمية الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية، بوصفه دليلًا مساندًا في المحاكمات المدنية والحوارات التاريخية، وفي كل مكان. فبالرغم من أنّ المنفعة العلاجية للجينوم قابلة للنقاش، إلا أن الحياة الاجتماعية للحمض النووي اليوم تقع في صميم بعض القضايا العصرية الأكثر أهمية كالسياسة والاقتصاد والحديث لا يقف هنا فقط .


المصادر

https://www.genome.gov/about-genomics/educational-resources/fact-sheets/human-genome-project

٢/ للدكتور محمد الغالي : “ثورة الجينوم العلمية وابعاده الاخلاقية”
٣/الحياة الاجتماعية الحمض النووي: الوندرا نيلسون


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *