مسارات الوجود من “الضجر” إلى “الشعر” في ديوان “ضجر بما يكفي”

·

·

, , , ,
الكاتب: الفاتح طه

الضجر ولغة القسوة

بمحاولة ناجزة في تكثيف الوجود، يأتي ديوان “ضجر بما يكفي” بواسطة لغة وجب عليها أن تُضارع اللحظة التاريخية التي تمر بأثقالها على الإنسان السوداني الذي يعانى ويلات الحرب، الموت و النزوح. و من قبلها إنفجار آماله بثورة ديسمبر، و ما تبعها من اضطرابات، انقلابات عسكرية، إنتهاكات، و مجازر، لم يمنع وجودها جسد هذا المتهالك المُدمى و المثقوب بالرصاص أن يكون جزءا من العالم، يُصليه وباء “كورونا” بموته الجماعي و ذعره و فرضه التباعد و الجنازات البلا معزّين. لتصير الحياة الى مطحنة بطيئة و الوجود إلى فراغ يتمدد فيه الوقت بلا نهاية.            

فالضجر لا يأتي بمعنى الملل، و لكن يعيدنا الى القاموس، حيث فراغ الوجود، الكآبة و إنقباض النفس من غياب المعنى. و هو ما استدعى الشاعر لإتيان لغة تخلّق دلالاتها، كي تكشط عن الوجود حقيقته عبر صور و رموز و إنفتاح جريئ و مغامر على الفضاءات التأويلية، تحقيقا لمسعى شعري، و بث الإشارات المحمّلة بالأصوات الإجتماعية و الثقافية المتعددة، التي يحشدها شاعرنا في سبيل تحقيق التكثيف و التشخيص أمام هذا “الضجر”  و بواسطة لغة “القسوة” كما أسماها مقدم الديوان: م علاء الدين عبد المولى.

لغة تفتش في ثنايا قسوتها عن إمكانيات أكثر قابلية لأن تحتمل وطأة وصف وجودنا هذا المطحون، بدون أن تنكسر أمام الواقع. مع تحقيقها شرط أن نرى فيها ما هو أبعد، أي لغة لا تتجاهل الواقع بدواعي الجمالية الشعرية، لكن تجبرنا إعادة النظر فيه، و الخروج بدهشة قاسية لا تلين أمام صلادة العالم و إصراره على تقريره مصائرنا.

تتجاوز اللغة ما يمكن لها الإشارة اليه بالإسم، و لتنفذ إلى الفعل- الأقرب إلى الوجود الإنساني. فنحن لسنا ما نكونه أو نوصف به عبر اللغة من تسميات، لكن ما نحققه بـ” الفعل”. أجدى ما سيعيننا في البحث عن إنسجام الذات الضائع مع نظام الوجود.

إذن تبحث القصيدة عند “عمّار شرف” عن هذا الانسجام و عبر هذه اللغة الخشنة، و بواسطة “الفعل”  فالوجود هو شبكة ممارسات كما يعرفه “هايدغر” و لهذا يرى الشاعر مؤسسا للوجود. و الذات نفسها تتكون بـ “الفعل” و هو ما يعيد تشكيل هويتها، و يغير من علاقة الإنسان بالعالم، و يعيد تفسير الذات لنفسها.

فتقدمه إلينا القصيدة على طبق أنطولوجي.

فالفعل يتصدر القصيدة لا كحدث عابر، لكن أداة تأسس للمعنى، و تتخذ موقع النقيض للضجر؛ بوصفه تعطلاً للوجود. و من خلال هذا الفعل يعاد تشكيل الذات و تعاد كتابة علاقتها بالعالم.

فإذا كان هذا التصور يمنح الفعل موقعه الأنطولوجي في صناعة المعنى، فإن القصائد تأخذ على عاتقها إظهاره لا كفكرة مجردة و لكن كتجربة نعيشها من داخل اللغة، كأن يتجسد الضجر في نزف يتكلم!

عبر الأبواب الستة للديوان، و التي تُظهر مسارًا شعوريًا لرحلة تتماثل مع ذات الشاعر، و بلا جهد. و من الضجر إلى الموت. نسلك على خطواته مسارات وجود إنساني محفوف بالشراك و المعتركات، يمنحنا خلالها صورة للواقع السوداني المتشظي، أثناء معالجته موضوعات الذات، العالم، كوارثه و أوبئته، و ما يستعان به عليه من الكتابة، الحب، الثورة، الموت، و الشعر.

حيث يمكن النظر إلى الديوان بوصفه وثيقة شعرية تؤرّخ مرحلة مأزومة من واقعنا، لا من حيث وقائعها فقط، لكن أيضا من واقع تمثلاتها الجمالية و تجلياتها الوجودية.

أسس العمل نفسه على ثيمة الضجر و إنكشاف الذات على الفراغ، قبل أن يسعى إلى التحقق و من ثم إعادة خلق المعنى بـ الفعل” و التجريب، عبر تنويعات على اللغة لصوت واحد، لغة ثقيلة في بدايات الديوان، صور صامتة، و أفعال لا تتعدى حدود الذات. تتحول لاحقا إلى لغة رمزية، و أفعال قوية، تنتهي بتكثيف يناسب الموضوعات. وصولا في الأخير الى لغة بإيقاعات و صور فائقة الدهشة.

فالبداية هي وعي حاد بالذات كحالة من السيولة، نزف مستمر، و كل ما تفعله الحياة هو تعقيم مؤلم لا يروم شفاءً.

“أسيل كالصديد

من جرح الكون

أسيل بلون غرائبي

بنعومة

نعومة محذرة… “

تعطي القصيدة حركة الذات من هذا الألم، و كل الأفعال تنتهي بالنزيف. قبل أن تعالجه بإخضاع اللغة الى صورة جمالية لا تتجاوز الواقع، هذا الاخضاع للّغة هو قوة الشاعرية، فالعالم كما تقول مور ريكاستر “مصنوع من القصص” و الذات النازفة من جرح الكون قصة واقعية. و كل فعل ينتهي بالنزيف.

أما القصيدة فعلى عكس ذلك، تطبب الجرح و توقف ألم النزيف بتحويله الى حُلم في الأبدية:

” أسيل كأنني أسابق نهرا”

إن الكشف هنا لا يعني إلا إنفتاح الرؤية على الذات، و من ثم النظر بعين مفتوحة الى هذا العالم، فتراه على حقيقته، ليس مكانا لممارسة الحياة، و لكن جلادا متعاليا يلغينا و منافسا غير نزيه:

” العالم

حتى بعد أن فرك

عينيه جيدا لم يراني

(…)

” قال لنتسابق

وقف مكانه

و أطلق كلابه عليّ “

في مواجهة هذا العالم المتقن للخديعة، تتشظى الذات لأصوات و تجارب متجاورة، ليبدأ الفعل في تفكيكها بغية كشف التعددية الكامنة فيها

الفعل وتفكيك الذات

لا يأتي هذا الكشف ذاتيا فقط، فالشاعر في تعريفه هو ” صورة الجميع التي يتم رسمها بالتعددية في الأفعال” :

” أحدهم على الشرفة ينظر للطافة الجو

و أحدهم على الشرفة يحصي فرص النجاة

التي ستنتهي به مرة أخرى

واقفا هنا

أحدهم وقف و صرخ بعلو صوته

كأنه يجرب فمه للمرة الأولى

و أحدهم صمّ اذنيه من أزيز العالم “

التعدد، التجاذب و التنافر، المقابلة التي تصنعها اللغة بالكلمات و الجمل المقتطعة، تنبت و تتعدد من داخل الذات:

” هؤلاء يستيقظون كل صباح من أطرافي

يستحمون، يجهزون الافطار و الحلويات “

و هؤلاء في تطابق كامل مع الذات، فالكل في حيز الوجود، حتى النبات، الحيوان، و الجماد. و الكل يموت.

من الوجود الفردي إلى المصير الكوني

و عندما يحضر الموت في قصيدة “عمّار” فإنه لا يعني النهاية، و لكن أفق الحياة نفسها. و يتقاطع مع التصور الوجودي بان “الوعي بالموت شرط لتشكّل المعنى في الحاضر، لا يلغي الفعل بل يمنحه حدته و كثافته”  بالتعبير الهايدغري فالإنسان هو كائن نحو الموت.

” يبدؤون يومهم بكل سلاسة و سيولة

ثم ينصهرون كل مرة في قصة جديدة

كل مرة في موت جديد، ثم كل مرة

بموت جديد “

فالشاعر و وعيه بالموت من حيث هو “وعي دائم بفناء المعنى” يقدم لنا دون مواربة هذه التعددية التي تتكرر في نصوصه.

إن التعدد نفئّ صريح للذاتية بوصفها غرق، و أنانية تحكم وجود الشاعر و كلماته، و من هذه التعددية يؤسس عمار للذات و إن كانت متشظية بفعل الواقع، فإنها متعددة في الوجود.

” دائما هنالك العديد

العديد من القصص لحكاية واحدة

العديد من الأعين للوحة واحدة

العديد من المشيعين لجنازة واحدة

 ( … )

العديد من الطُعم لصيد واحد

العديد من الفنان لمنجز واحد

العديد من الإنسان لهول واحد

ما يهم أن هناك العديد مني

لحياتي الواحدة “

و في تكامل بين الذات و التعدد، تحتفي الذات بنفسها، لا عبر التدقيق في محاسنها و لكن في دعوتها المفتوحة للفناء إلى مائدتها، كأن الحياة جائعة شرهة، و الذات وليمة( هذا اللحم طازج و يغني! )

و الذات قلقة، دائمة الحركة، يدعوها “عماّر” إلى اجتراح الأفعال، إلى تأسيس الوجود. ذات شجاعة لا تهرب إلا إلى فنائها، فكل وصول منقوص، حتى الكتابة، عندما تتصل بالموت الذي لا ينسف المخيلة، أو تمثّل الذات في الجماد:

 “لأسعف مخيلة الكتابة

لدي

أذهب إلى المقبرة

و أسرق تخيل الموتى

للحياة بعدهم

للمضي قدما

أُصبح سيفا “

من هذه الحالة تنفتح الذات و تبصر، ترى الإنسان في كل شيئ، و تعطي الأشياء الروح. فكل شيئ سيمضي ( الكؤوس وحدها تبقى ) و الخلاص هو محطة لا تسمح بالترّجل.

لا يقتصر العمل على تأمل الذات، لو سلّمنا استحالة إفتكاك الذات من المُبدَّع، ليشتبك التبويب الثاني عبر الحدث الطبيعي “الفيضان” و يعيد تعريف علاقة هذه الذات بالعالم من حولها،  مصورا لنا في نفس الوقت الإغتراب النفسي الذي يعكس مشاعر جيل كامل عاش في الخرطوم، بخرطوم أخرى كان يحملها في وجدانه، لا تشبه خرطوم الواقع.

بلغة تتلاعب بالبنية، و تحوّل الحدث الخارجي إلى صيغة داخلية تطبع الذات بما يحدث خارجا:

” أنا هناك..

و النيل كله ها هنا

يحاصر الخرطوم التي بالداخل  “

في إشارة ذكية يحيل الى ما يمكن أن يحدثه كل هذا الخراب في النفوس. و منتقلا بالتأمل في واقع لا يمكن التعبير عنه إلا بالمجازات و الصور بخصوصية لغوية و يومية في وجود يتفاعل فيه الانسان، الحيوان، و الجماد.:

” تمطر و حين تمطر

 نخاف على البيوت لتنماص

لأن بيوتنا كقطع البسكويت

هشة و مقدمة لشاي الطبيعة

نخاف على الماعز

و نتفقده كواحد من أفراد العائلة

مع الغائبين تحت المطر

تمطر هنا كثيرا، و كلما تمطر

أخاف على البلاد التي أحملها معي

و هي بيوت هشة، كقطعة بسكويت

تقدم دائما لشاي الطبيعة “

لكن هذه التصاوير لا تقف بيننا و الحقيقة، فالدهشة تحيل إلى تفسيرات ليست أكثر رحمة، فالفجيعة معتادة و إنسان هذه المدينة التي تغرق يشاركها الخراب و طعم السقوط، و ما يحدث في الواقع تتناقله المخيلة و تعطيه وحدة تجمع ما بين الواقع و القصيدة:

” قفز النيل إلى الطاولة

عبّأ الكوب الفارغ

و فاض على الورقة البيضاء

التي كنت أريد أن أكتب فيها

نصا عن الخرطوم “

الوباء والإنسان الكوني

يستعيد التبويب الثالث ثيمة التعدد في الديوان، حيث تظهر الذات متحوّلة ومتعددة التجارب، تتنقل بين الخوف والقلق والوحدة، وتواجه الانفصال الاجتماعي والوعي بالموت والضعف البشري. هذه المرّة، ينظر الشاعر إلى “الوباء العالمي” بوصفه مرآة تعكس تحوّل الحياة اليومية، فيضبط التكرار والتجدد في بنية القصيدة كدلالة على دورة الحياة واستمرارية الوجود، وفعل المقاومة النفسيّة للشاعر تجاه الذات والمشاعر:

“أشجرت في مرات كثيرة

وكنت الأصبر

في مواجهة الفؤوس والنيران”

هنا، التأمل الشعري يتجاوز الذات الفردية ليصبح سيرة وجودية للإنسانية جمعاء، إذ تشمل الطبيعة التي تحاول تهذيبنا، والأحداث التي تتوالى في الزمن، ويظل الإنسان معرضًا للتحوّل والتغير.

مع إعلاء قيمة المخيلة، ففي مواجهة هذه القوة، يظل الشعراء والعشاق وحدهم قادرين على مقاومة الواقع عبر الخيال، والتنقل داخل فضاء الاحتمالات، وتحويل الوحدة إلى أُنس، والأشياء إلى صحبة، بحيث تتوزع في هذا العالم الأنخاب على الموجودات:

” ثم أقول للطيف

على حسابي أيها النادل

عبّ لكل شيء كأسا

وليكن نخبا أخيرًا

ليكن نخبا لشكر الأشياء كلها

على لطفها

وحسن معشرها”

يبرز الباب بعد ذلك البعد الكوني للوباء، فكما يفسر ميلان كونديرا تسمية “الحرب العالمية” رغم أنها كانت أوروبية، فإن الوباء العالمي وحّد الإنسانية في الخطر المشترك وإمكانية الفناء التي لا تقتصر على موقع جغرافي محدد. القصيدة تصوّر هذا الواقع لتأمل سيرة الإنسان في مواجهة الكارثة:

 “نعم

أتى على الإنسان حين من الدهر

عدّ فيه أيامه على نار أصابعه “

وبينما تميل الغالبية إلى الاحتفاء ببقاء الإنسان، تنبهنا القصيدة إلى أن هذا البقاء يأتي مقابل فقدان جزء من إنسانيتنا. فالإغتراب عن الجسد، والرغبة في أن نحيا غدًا على حساب الآن، يفرض معادلة مستحيلة: الإنسان الذي ينجو اليوم، يفعل ذلك منفردا ومعزولا، و في عزلة تجعله يواجه ذاته ووجوده في أعمق صوره.

في مواجهة الزمن الضيق والخوف الصامت، في عالم يغدو فيه الإنسان غريبًا عن ذاته ومبعثرًا، يجابه الانكشاف على الفراغ، والرهبة من فقدان اللحظة، فيما تصبح اللغة مرآة لتوتر الوجود تمهيدا لمواجهة الوعي بالمصير والحياة المحاطة بأنانية متجذرة.

“الآن تتقلص أيامنا

وأعيننا تبيض من الهلع

غرباء مرة أخرى

تائهون في عدم لنختبره من جديد؟

يتامى هذه المرة لا من الأب

يتامى من الساعات الطويلة

التي لن نحصل عليها

والساعات القصيرة

التي تضعنا مع صافرة أن نحني

رؤوسنا بكل جهل ونقول

نحن لاندري ما الذي بعد ها هنا

معرضين عن جميعنا وحزانى

فنحن ذاهبون

لانخاف نهاية العالم بالطبع

نخاف ألا نكون فيه “

  الحب كفعل مقاومة وتحرير

و على سيرة الموت ( تزحفين نحوي.. ديدان إلى نافقة ) يبدأ التبويب الرابع بفعل الحب الأول، التعبير بـ “أحبك”.

و يأتي الحب هنا متسقا مع واقع المعترك الذي توصفه القصيدة و تنفذ اليه، فهو يأتي من داخل البنية لهذا العالم المنهار، و ليظهر الحب كفعل تسامي و ارتقاءا للانسان. و مصدرا للعذابات و الألم، لا في ذاته، و لكن في محكوميته بوجوده داخل هذا العالم، فهو في ذاته عذاب لذيذ، و ألمه مُربٍ جليل للذات.

و الحب عملية ترقيع للروح، فعل “ليبيدي” نزاعٍ إلى تحقيق رغبة لا تكتمل إلا عبر خوض الألم، عملية غسيل للروح تنفتح الذات فيها على كامل بوحها و فضحها لنفسها.

” أقول أحبك و حآكة مهرة

يخيطون بحركة سريعة

مهترئات جبة روحي

في شارع ضيق في سوق

روحي

أقول أحبك و طائر ينقر

جبهتي

طائر ينقد أعلى كتفي

طائر ينقد حبة عيني

طائر ينقد حبة قمح على مصاريني “

و لأن الحب لقاء ذاتين في عالم معقد ومشحون بالهواجس، وانفتاحهما على بعضهما يشبه انفتاح جحيمين. فاللغة تسعي في توريط المحبوب، و تنشغل تصاويرها في إظهار دوره المتمم للذات، والمجسد لشعور الامتلاء الداخلي، المفضي إلى جوع دائم نحو الآخر، لا يكتمل حتى عبر الشعر.

“لا أستطيع أن أحبك أكثر

فلم أستطع حتى إحتمال

حبك القليل

لا أستطيع أن أكتب الشعر

في كل حرف

تنبتين ثمان و عشرون حرفا آخر

ثم انتي كالمعادلة “

دعوة مفتوحة للحب، بدون تحميله ما لا يستطيع، و لكن فتحه على الإحتمالات:

“تقول أحبك فتصير شجرة

ثم غابة

جنودا و أسلحة “

إنها الصفة التعددية التي تحيلنا إلى إمكانية الكائن في الإنسان، و التي يحررها الحب. تحرير لا يتخذ مسارا محددا، فلا يمكن الوثوق في المحب بكل هذه الدروب و هو ( لا يملك الا قدميه). فالاحتمالات تتلقف الممكن من اللحظة التالية، اللحظة التي لا نملكها، كأن تقال أحبك و تصادف مكانها الصحيح:

” كلما

قلتها

و لم تصادف

مكانها الصحيح

حتى صار العالم

حروبا

و غابات

الى حين أن استطيع

أن اقولها بشكلها

الصحيح

و المكان الأصح

سيشفى العالم

من عثرته

و لن يكون هناك

شيئ غير أحبك

أحبك التي

ستصادف قلبك “

ان الحب ابدي و ازلي و صلته بالانسان لا تنتهي، في تداخل حاد بين الحب والموت، حيث لا يُقدَّم الحب بوصفه نقيضا للفناء، بل كحركة تتسلل من داخله، فتتزاحم الصور الجسدية والتحللية مع فعل العشق، كأن الحب نفسه فعل مواجهة مع الهشاشة والمصير الجسدي. بلغة صادمة يعيد النص تشكيل العلاقة بين الحب والموت، جاعلا من العشق تجربة قصوى، تنبثق من العطب وتضيئ معناه. ( تزحفين نحوي.. ديدان الى نافقة )

الفعل الجماعي والمأساة

و كأن الحب يدعونا إلى الثورة، و على الاحتجاج ضد الموت:

” كل يوم شهيد

بلادنا هذه أم البرزخ “

يبدأ هذا التبويب بلغة غير مواربة، تنفذ الى كبد الفجيعة:

” سكبو دمائهم كعصارة

تجربة حرة و مريرة

على الاسفلت

بذلو أجسادهم

أدوات تمرين ملاكمة

ليد عنف الدولة “

و تتحول القصيدة إلى نشيد مقاومة، و التاريخ إلى روزنامة للأفعال الثورية، تتبدل إعلانات الحفلات بصور الشهداء، يتحول جسد الشهيد إلى نص مفتوح، والدم إلى حبر، والشارع إلى صفحات.

هنا الشهادة ليست تضحية فقط و لكن فعل مقاومة يتحرك على إيقاع الحياة والموت معاً. اللغة في هذا الباب لا تكتفي بالسرد، و تشتغل إكثر منه على التكرار والإيقاع، و كأنها تحاول استيعاب الجسامة في الأحداث، التي تصورها بدهشة مفارقة، بين الشاعرية، و القسوة اللغوية.

” دمنا على الطلمبات

دمنا على فتحة خزن البنزين

دمنا في الأزقة، دمنا في الأوكار

دمنا في الخيران، دمنا في الخرابات

و في القريب العاجل سنشتهي

ميتة القنص “

فالشهداء يبدون أكثر ما يمكن أن تحتمله دلالة “الشهيد” و يعاد النظر اليهم كالناجين من كابوس، يتم اعادة تعريف الشهادة كفعل تحرري، تحرر لا يمنع إبصار الواقع الذي لا يمكن أن تغفل عنه الأعين، حتى تلك العاشقة.

” لم أر الشهداء ليسو بضحايا متظلمين

أراهم ناجون فرحين من نهاية الكابوس

لم كلما خرجنا في موعد و مسدنا الأيادي

قرأنا في العيون جزءا من البلاد ينزف “

و الموت نفسه ليس نهاية جسدية بل ظاهرة وجودية، مأساوية لأنه يترك فراغا، لكنه في نفس الوقت يمنح المعنى في التضحية، لتصبح الفعل الذي يواجه هذا الفراغ. و الموت لا يصبح فعلا في حد ذاته و لكن نهاية غير مبررة. فنجد تتالي صور الفعل تتجسد في الحياة التي عاشها الشهداء. بل إننا نجده راسما من الموات هذا صور الحياة المجيدة!

” هذه أعينهم منزوعةٌ من محاجرها

كاميرات مراقبة لسير قافلة سلام

أياديهم المرقوعة، أياديهم المدمية

أياديهم التي تقرع الطبول

و تجدع الحجارة

و ترفع الأعلام

و تمسك الأقلام

و تسعف المصاب

و تغلق الجرح إلي حين

و تزيل الانقاض

و تشيّد التروس

و ترسم على الجدران

و تكتب المناشير

و تصفق في المواكب

و تغطي الوجه لتخفي الدموع

و تؤشر ناحية القوة العسكرية

أياديهم التي ترفع الدعاء في التشييع

تسند سماءك أيتها البلاد المنهارة

التي تتهاوى على الرؤوس

يا للبذل، يا لثقل ايدي الشهداء “

تتبادل الافعال ادوراها، ما بين فعل الشهيد و فعل الإحتجاج الذي تمارسه القصيدة

” بما أن هذه البلاد ضيقة

هكذا

لما ألبستنا لها يا إلهي “

يمتد هذا الاحتجاج، الى فضاء الواقع السوداني، و يلامسه و يصفه بتصاوير القسوة في اللغة، كأنها تضارع جسامة الحدث:

” لقد بدأ إحتفال السلطة

و كفكف القادة أكمامهم

لتناول وجبة الشهيد “

في هذا الاحتجاج الذي ينبع من ذاتية الشاعر، لكن يخرج ليكون صوتا يمثل مواقف الشباب في الشوارع و الأزقة و التروس:

” دمنا في القاعات، دمنا في المؤتمرات

دمنا في مكبرات الصوت

دمنا على الكراسي الوثيرة

دمنا على مائدة التفاوض

يقدم أولا مثل زجاجة ماء “

تعتمد القصيدة الجمل القصيرة فتخلق إيقاعاً لاهثاً يحاكي صدمة الحدث. كما أن التكرار في “دمنا ..” يضاعف الإحساس بالفاجعة.

و تبدع بإمكاناتها اللغوية و خطابها المسئول في المرور بكل المشاعر التي أنهكت الصدور و أكلت الأعمار. فالحرقة و المرارة على هذا النزيف المستمر للبلاد أبنائها، و ما تعانيه الذات من معاصرتها إغتيال الشباب و الأطفال و النساء مرات و مرات، لدرجة التشكيك في ثمن يعادل هذه الخسارة!

” بكل هؤلاء الشهداء الطيبين من نريد أن نرضي؟

يا إلهي إنني أموت مع كل واحد منهم

و أحمل كل نعش قصة في حلقي

إنهم يتحولون إلى أشياء يصعب لفظها

يا للحرقة

يا للمرارة

يا للثأر الذي لن يكفي سدادا، يا للخسارة

يا للمقابر التي تعجُّ بالشباب كأنها حفلة

يا للمقابر التي في البيوت “

كأن الصدمة تمارس وجودها من داخل اللغة، فيبدو كأن القصيدة تتأتأ، و ليس هناك هواء يكفيها التنفس.

رعب يقود بطبيعة الحال للبحث عن ملاذ في البلاد، لنصطدم بالخيبة، و فداحة الإكتشاف و الإنكشاف على واقع مأزوم، و مركب التعقيد، فالملاذ هو نفسه الجلّاد و الضحية.

فتصف القصيدة الواقعة بوقعها النفسي لا بأحداثها، و كأن الدماء و المحاجر و المقابر و الموت المشتهى بالقنص، أنهكها التداول في وصف هذا الواقع، لتستريح القصيدة في آخر التبويب، و تهمس في ذهول:

” من هول المجزرة

لذنا إليك يا بلاد

رغم لهيبك الحارق

و لم نجد منازلك

لقد

خرجت لتشييع الشهداء “

يختتم المسار الشعوري الذي يتخذه الديوان- الوثيقة،  تبويباته بتأملات في الموت، بلغة منسابة، تبحث عن يقينها بالشعر و الكتابة، معنونة بوصفة ذاتية، الصلاح فيها صلاح قابلية للموت، ذلك الذي يمكن أن يُقرأ لأقل المتشائمين بالدلالات السابقة في الديوان كشكل من أشكال الحياة و التجدد، و لأكثرهم، كإمتداد طبيعي لتسلسل القصائد عبر التبويبات، عندما يأتي هذا الإمعان في التحديق بالموت، بعد تبويب الشهيد و كأنه مراجعة للنفس، فماذا يبقى بعد كل هذا البذل و العطاء الكريم لدرجة ان يستنفذ حيوات كاملة و ينتهي بالموت:

” هكذا أتدرّب ..

أصرُّ على أن أُربي

رجلا صالحا للموت “

لا تقتصر عملية التبويب و تسلسلها على الشكل فقط في رسم مسار شعوري عبر الديوان، فالفعل كذلك يرسم مساراته الخاصة، إذ يتمظهر على ثلاثة مستويات تطالعنا، فهو فردي يستصحب الآخر في تأمل الذات، قبل أن يخلص لهذه الفردانية في الحب، و من ثم يتخلى عنها لصالح الفعل الجماعي في الثورة. في تدرج يكشف إنتقال الذات من إنكفاءها إلى الإنفتاح على الجماعة و الإندماج فيها، هذا كله بدون أن تفقد خصوصية توترها الداخلي أو تتخلى عن وجوديتها عند “فعل” الكتابة.

فالأفعال تتدرج وصولا الى الدفع بها في آخر تبويباتنا الى أقصى حدودها، ألا و هي ” الفعل الواعي” فالوعيّ بالفعل في “هكذا أتدرب” هو وعي مؤكد عليه، ذلك من بعد فعل التشظي، المآسي و الفواجع بالأوبئة و  بعد المجازر. وعي بالنتيجة المرجاة، و لأن الموت لم يكن يوما بالامتحان اليسير، يعاودنا إيقاع التكرار في الفعل. و يتجاوز الموت دلالاته كمدعاة مجد، أم فجيعة؟ مستبطنا حضور هذا العالم الذي ما عاد يصلح للحياة.

الكتابة: الفعل الأخير

في ظلال هذا الموت، يفتتح “عمّار” تبويبه الأخير ببيان هويّاتي، يعلن فيه إنتماءه، حيث الكتابة تقدم بوصفها ذروة الوعي بالفعل، و إن كان الجسد عرضة التلاشي، فستمنحنا اللغة فرصة اخرى لبقاء التجربة، كأثر، أو كحرية مطلقة في إحتمالية الإنمحاء.

” أنتمي لعالم الكلمات

و أعلم أنني في النهاية

لن أموت . .

سأُمْحَى “

تبرز الذاتية من حيث ما يعرفه قليلين-كثيرين، عن شاعرنا ،و هو الإنتماء الى الكتابة و الشغف بها درجة مناداته “عمّار شغف” فالكتابة عنده تتجاوز موقع الأداة، و تتعداها لإحتلال مساحات الجسد و الروح، قبل أن تغرز أنيابها بين الثواني و الأنفاس. حتى صارت بالنسبة له هوية كان و ما زال يعلن الإنتماء اليها، يحيا في اليومي بقواعدها، و في الموت يسلّم بما تسطر أقدارها من طرائق لإنفاذه.

ليس من قبيل الصدفة هذه المقابلة بين الموت و الكتابة، فالكتابة كفعل وجودي، مقاوم للعبث، و مشغول بخلق المعنى في عالم يتهاوى منه كل قائم، تبدو هذه الذاتية أقرب الى وصية منه للبوح، حيث أي مقاومة اخرى تفقد شرعيتها لأنها شرعية ممنوحة من هذا العالم، أما الكتابة فتأخذ شرعيتها بمداد الإنتماء الى اللغة نفسها، حيث الخلود يتحقق في السرد و حيث المقابلة بين كلمة الخلق، و بين الولادة، يكون مدخلا لتفسير كل هذا:

” حين تولد أنت، تقول قبلت “التحدي”

و حينها تربط الحياة حمولة

كبيرة على عنقك “

عادة القصيدة عند عمار ألاّ يقتصر الموضوع على زاوية نظر واحدة، فالوجود متعدد، و الذات متعددة، و الآخر متعدد بتعدد الذات و تعدده، أما العالم فإمتداد لا يحده شيئ، لكل هذه التعددات.

فمن إعلان الهوية، لمحاورات الموت، لتقمص الرغبات بعده، لمحاولة النيل منه، وصولا الى ما بعده، و الذي لا يكون إلا فرصة اخرى كي تخبرنا الذات بالكثير الكثير عبر القصيدة:

 ” بعد موتي

أريد أن أقول كلاما كثيرا

أريد أن أقول لجثتي..

مبارك لنا النجاة و شكرا

أريد أن أقول لليل..

دربتني يا ليل

و للحياة نفدت منك

(…)

بعد موتي أريد أن أقول كلاما كثيرا

للشعر

و من ضمنه ..

هل أنت عاتب يا والدي؟

هذه النهاية و التي تضع الشعر -في إنتمائه إلى الكتابة، مقاما أخيرا للمعنى، هي نهاية الرحلة، فأي غنيمة أثمن!

حيث الكتابة لا تكتفي بطابعها السردي، او التأريخي لحقبة تزدحم و تفيض بالفواجع. لكن تؤسس لكتابة جديدة تتحدى السائد و المعتاد.

فمن نزف الذات، السيولة الباحثة عن شكل في التعدد، الى إتساع الرؤية للعالم الغارق في مأساته، إنسانه محاصر بخوفه الكوني من موت عابث و غير مبرر، إلى الحب كترقيع للروح، الى الثورة كاندفاع جماعي ضد العدم، إلى الكتابة كفعل أخير. يرسم الديوان مسارا وجوديا يتقصّى أثر الفعل في عالم يتداعى. و يذكرنا بأهمية إعادة الموضعة للشعر في عالمنا، و حيث يجب على الإنسان أن يكون منه اليوم.

إن ” ضجر بما يكفي ” يعيد تعريف الضجر، بإبصار الأفق الذي يحدد كثافة الحياة و يختبرها، بالتحديق في الموت.

يداول الفعل بين الفردي و الجماعي، بجمالياته و سعيه الى تثبيت الذات في عالم يتداعى. فيغدو الشعر عند “عمّار” فعلا مضادا للعدم، لا بالغاءه، و لكن بالتحديق فيه و عبره، فبين الضجر و قسوة العالم، بين نزف و حلم، لن يبقى للإنسان إلا أن يحب، أن يقاوم، أن يكتب. أي أن يفعل في الأخير ما يؤجل محوه، و يترك في الأخير أثرا يدلل عليه، لا يمكن أن يؤاخذ عليه إلا من الشعر: هل أنت عاتب يا والدي؟


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *