كاسات الهوى

بقلم: نمارق سعد الجاك كاتبة صحفية

ساقتني رغبة عارمة في الحياة إلى مغادرة الخرطوم. غادرتُ أنا وأمي التي بدت متماسكة، ونظراتها تنم عن رضا. كان يوماً لهدنة إنسانية؛ فمررنا دون تفتيش حتى وصلنا وجهتنا، عطبرة، مدينة الحديد والنار. المدينة تبدو نصف نائمة، و”الدرداقات” (الأكشاك الصغيرة) ترفعها عضلات رخوة.

ونساء سمراوات يبعن الشاي وقهوة رديئة متفحمة القوام. ظهر ذلك على ملامح أحد “الأفندية” مُعلقاً: “قهوة باردة، ويبدو أن البن محترق!”. تطايرت قطرات منها على قميصه فاحترق كحلم الشباب ببلدٍ سالم. ابتسمتُ ابتسامة طفيفة عكّر صفوها حينما رأيت أحدهم ينظر إليها بشهوانية.

علقت مازحة: “سالم جدي!”. أحست بالخنق، لكنها لم تبارح مكانها. جلسنا عندها، فسألتنا عن وجهتنا، فقلت: “كدباس، عند شيخ حاج حمد، نحن من آل البيت”. ضحكت حتى ضربت فخذها الممتلئ وأردفت قائلة: “ظننتكم من آل دقلو!”. على الفور، أشعلت البخور ووضعت ماءً مثلجاً شربته بنهم. مضت ثلاثة أيام ولم يمر بعروقي ماء بارد، فقد انعدم كل شيء، وبالكاد كانت الدماء تُضَخ في جسدي. كان ماءً بارداً. أخرجتُ من الحقيبة بسكويتاً، وبقربه يرقد برطمان يبرق في قلبه سوارٌ ذهبي، ذكرى من أبي، حين كانت أمي أميرة طائية الكرم. تحركنا عبر جسر، ومررنا بلافتة كُتب عليها: “الدامر ترحب بكم”.

نهر عطبرة هائج وكأنه صراع أمعاء رهيب. عبرنا الجسر وأشجار البرتقال والمانجو، ومزارع كانت عالماً من الدهشة. “أم الطيور ترحب بكم”. يجري نهر عطبرة غاضباً تتلاطم أمواجه، ولون الماء ترابي على “القيف” (ضفة النهر). لا يوجد صيادون عدا واحد قطع “الكبري” مشياً، شاهراً سنارته، مسرع الخطى، يرتدي ملابس رياضة صارخة الألوان. بدأت أحدّق عبر الزجاج، فأبصرت سحابة تمتزج مع أخرى في لوحة متناغمة، لكنها تزعج العيون.

حدقت في ساعة السيارة فوجدتها الواحدة إلا عشر دقائق. كانت المدينة واقفة على ماء استحمامها، اغتسلت بالمطر واستغلت الشمس كي تجفف شعرها الخشن. كم أحب الشعر الإفريقي المجعد!

السيارة تمشي ببطء وكأنها سلحفاة مريضة. أدخلت فتاة رأسها من النافذة، فأطلت عليَّ بفزع. يافعة في السابعة عشرة، تحمل في يدها حقنة داء السكري وطلبت المساعدة. تبدو حزينة وجسورة، وعيناها تبرقان. يبرز من تحت صدرها ثديان هزيلان يتناسبان مع حجم جسدها النحيل. الحرارة خانقة، فوق الأربعين درجة مئوية، والعرق يقطر من على جبينها. شعرت بألم مقيت يعتصرني، كدت أبكي لكن الدموع لم تسعفني. أدخلت يدي داخل حقيبتي وسحبت من المال ما لم أكن أعرف عدده، ودسست المبلغ في يدها المتعرقة.

غازلتني بخصلات شعرها المبعثرة، وحينما لم أستجب انهالت بالدعوات رافعة كفيها إلى السماء. ترتدي جلباباً ممزقاً وخماراً أبيض رسمت الأوساخ عليه خريطة العالم. تمضغ العلكة بهزل وتضحك تحت تأثير “خدر السلسيون”. اقتربت مني بخبث ورائحة فمها مميتة، وقالت: “تزوجي سائق السيارة، يراقبك بحب واهتمام”. فكرت في عرضها واسترقت النظر إليه: شعره أسود يغطي عينيه بنظارة سوداء، ولديه شارب بلون البندق، ويرتدي في يده خاتم زواج، ويعطّر الجو بين الفينة والأخرى بعطر يريح الأعصاب، أظنها كولونيا.

التفتُّ ناحية أمي فوجدتها نائمة بلا حراك، وعنقها يتحرك مع هزات مسار السيارة في الطرقات الوعرة. استقر بنا المقام عند ضريح سيدي حاج حمد، سالكين الطريق على النهج القادري بكدباس. دخلت الضريح حافية إلا من ظنوني. توجد على الرمل آثار أقدام كثيرة متداخلة. يرقد فيه أربعة أجساد مغطاة بقماش أخضر عليه ريش. معلق على الجدران تاريخ ميلاد الأب المؤسس. خارج الضريح توجد مساحة واسعة كساحة الحرية بالخرطوم، على جوانبها بئر تقسم الماء على مبردين يعملان بالكهرباء، و”زير” فخاري له خمسة إخوة. شرق مدخل الضريح يمتد المسجد عاليًا بمئذنة خضراء من الطوب الحراري الجميل “نمرة واحد”.

ناحية الشمال تقع خلوة حفيدهم “المنصّب” على السجادة، وهو رجل يطيل النظر ولا يكثر الكلام، ولا يصافح النساء البتة. لديه ملازم، شاب جميل الطلعة، شعره مموج يبرز من تحت طاقيته البيضاء، يعمل حلقة وصل بين الشيخ والزوار. يرفعون الأكف تضرعاً بالدعاء، يهمس بالقرآن سراً واضعاً يده على قارورة ماء. المقابلة مجانية.

يوجد في غرفته سجاد أحمر، وعلى الجدران عُلّقت آيات قرآنية مكتوبة بطريقة حديثة. على عرض الغرفة يمتد “عنقريب” عريض، يسند ظهره على وسادة ناعمة ويحدق في الوجوه، ويبدو أن العيون تقول ما لا يُقال. جنوبي الضريح تقع الخلوة، يغدو ويروح فيها الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين الثالثة عشرة والسادسة عشرة. يشرف عليهم شيخ شاب، يحفظون كل يوم آيات معلومة، ويأتون للتسميع فرداً فرداً، يقفون خلفه بلا أحذية رغم أن عقاربهم قاتلة، لكن الدعوات تغير الأقدار.

أحد أحفاده يسخر من سذاجة الزوار، لا يطلب البركات ولا يبالي حتى بمن يعرفون أنه حفيدهم. هو مهندس متجول، ملحد، سافر إلى قرى تعتقد في الشيخ كل الاعتقاد وكل الحب. جلست تحت ظل شجرة أراقب المحبين المحتضرين. صوت الطار يعلو ويهبط، همهمة محبين، جلابيب بيضاء هادرة، أرواح سمت وبطون جاعت ونامت بسلام، وعقول حلمت بالثريا.

نازحات يرتجفن حباً. “التكية” بمثابة مأوى لمن لا مأوى له في عطبرة. بلغت الثلاثين، سن النضج. تركت شركة اتصالات كنت أعمل بها مجبرة، نتاج القصف المستمر وتوقف الحياة. بالكاد كانت الحياة وردية، لم أكن أتوقع أن يموت الناس في بلادي جوعاً في المساجد والمدارس، أو يموتون كمداً، ولربما خوفاً من يوم غد أو بعده. إنها حياة قاسية. شعرت بالوحدة حينما يشتد الهجير والقصف، تستقر أختي قرب زوجها، بينما أنا وابنة خالي ننادي على بعضنا في حال وجد أحدنا ركناً هادئاً، نروح ونغدو في هلع.

إنها الحرب، تقطع القلوب، تقتل الشباب، يُهتك العرض والرحم، تُذبح الخراف والرجال. أتَجِفُّ أرض الجزيرة وهي بكر؟ أتُغتصب الفاشر وهي عذراء؟ وتجفف مدامع الحبيبة وثدي أم طفل رضيع. غدا الإنترنت رفاهية والخبز مقصداً وغاية، وليس بالخبز وحده يحيا الإنسان.

خلدت إلى النوم في كدر، ورأيت حلماً استيقظت منه على صوت أمي متسائلة: “لماذا تضحكين؟”. (في الحلم) سافرت إلى سلطنة عمان والتقيت شاباً وسيماً بذات النظارة السوداء، تعرفت عليه من شعره وخاتمه والهالة العظيمة التي على محياه. ضحكت مداعبة: “إن شاء الله!”، وهمهمت: “عمان تأشيرتها مقفولة علينا”. شدّت على يدي في ترقب: “بتفتح بإذن الله”.

الشمس انحدرت نحو المغيب، وأقدام الدراويش تسير في خفة. بعضهم في طريقه إلى التعافي، والنصف الآخر دخل في هذيان كلما زار الضريح. أحدهم كان عند أهله تاجراً في عقده الخامس، لديه أسرته وأحفاده. كلما قصد الضريح وأهله تغيرت حالته ويحتضر. تكلم عن المحبة وحسن التعامل والتكافل، خاصة الفتيات اللاتي لا يساعدن في أعمال التكية وهواتفهن متصلة بالإنترنت على الدوام. قال وصيته بصوت حاد: “الشيخ شايف كل شيء هنا!”. تجمدن في مكانهن، وبعد أن غادر، فتحنا الواتساب ووضعنا “استوريهاتهن”: “أجمل شراب في كدباس هناك”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *