نمارق الجاك
صدرت رواية معسكر طويلة هجرة الأرواح للكاتب: الطيب محمد (عذابي)، عن دار نشر جاردينيا مطلع العام الجاري، تعكس الرواية النزوح الداخلي من الفاشر الي طويلة حيث شهدت الفاشر نزوح جماعي مخيفا، الأجساد نحلنت والآمال تضالت أطفال دفنو قبل أن يدركوا كنه الحرب وكبار انكسرت هبتهم من وطأة العطش، يتكون المعسكر من اثني عشر حي و هي طويلة الأم وطويلة العمدةو طويلة الحلة، برقو، رواندا (أ) رواندا(ب)….. الخ.
النزوح من الفاشر صار الموت فيه الرفيق الأكثر صدقاً في رحلة البحث عن اللاشيء، في الحروب تُقاس الخسائر غالباً بعدد المباني المهدومة أو الأرض والممتلكات المفقودة، لكن الخسارة الأعمق تظل محفورة في ألاجساد و الأرواح ندوبا لا تشفي ومأساة يشهد عليها الضمير والتاريخ وكثيراً ما ينامان.
حول الطيب الأدب الي إخلاص وقلق جالت بخلده تساؤلات كثيرة من هجران المنزل عنواة وفقدان الاحساس بالانتماء و الفرار إلى المجهول طلباً للحياة حيث كتب بمفردة أنيق شفافه لا تخلو من مرارة الألم وغياب الحيلة في ظلة تحول الانسان الي مجرد رقم في إحصائيات الإعلام والمتحاربين.
للعل النص الذي سكب فيه الطيب إبداعه ومشاعره المضطربة نتاج الهلع الذي يسطر إثر التدوين العشوائي،
“طويلة ليست مجرد أحداثية على الخريطة، ولا هي مجرد محطة عابرة في قطار النزوح المرير انها الرحم الكوني الذي أعاد صياغة هويتنا، حيث تفت كل شيء هنا وذابت الفوارق تحت راكوبة واحدة واصبح الأنين هو اللغة المشتركة التي لا تحتاج إلى ترجمة، هنا تتبع الأقدام الحافيه وهي تسابق الموت من أزقة الفاشر وكل المدن المحترقة الي جبل مرة الصامد، نسير مع الأمهات اللواتي يحملن الحطب فوق رؤوسهم ومستقبلا يرفض الانكسار، في احشائهن انها قصة جيل استبدل زقزفة العصافير بدوي الدانات لكنه وجد في أرصفة طويلة وميادين التراب رئة تتنفس الحرية”.
تعكس الراوية أشكال المخيمات وهي وافقة تتحدي الزمن كانوا جيارنا بحكم الظروف خلقوا روابط تتخطي دهاليز السياسه الضيقة وكراهية الآخر بل امتدت التعايش الي حد ايقامة زيجات جماعية بقدر المستطاع رقص جماعياً ووليمة بلا دعوة، فيما هتز الطيب في متون سرد وجمال حبكتبه كيف أكلت النيران المخيمات وكيف إعادة من يملك مالا شراء خيمة بينما قام البعض بقطع الشجر وحفر الحفر ببناء راكوبة علها تكن بيتا بديل رثما يستعيد الوطن أنفاسه المتقطعة.
تعكس الرواية مدي أهمية الأنشطة الثقافية في تخفيف نوبات والألم الحرب خاصة النشاط الكروي وكيف كانت الكرة للغة مشتركة والميدان مساحة تلاقي وتعافي، تعيد للذاكرة شيء من الالق مثلما تعيد الأغنام اجترار في الظهيرة،كما يوثق الطيب كيف كانت غرف الطواريء خير سند حيث شببهمبهم بخلية النحل، فالنحل منظم يحترم روح الفريق تديره الملكة تصدر أوامر متي ما احست بالخطر، لكن المعجزة الحقيقة تبدأ بإدارة الروح، حيث فاقت الأرواح الناجية المتوقع بالمزيد والمزيد من النازحين الي جبل مرة. كما يظهر الدور الانثوي في المقاومة ومحاولة إعادة الأجواء المنزلية الطبيعية من جلب الحطب وإعداد الطعام وكيف كان الناس شركاء في برميل وخزنات المياه الموزعة في الأرجاء الصدة بعض الشيء.
مثلما وظف غسان كنفاني الأدب في خدمة المجتمع و قضاياه في توصيف المجاعة والحروب والاحتلال يحاول الطيب فعل الشيء ذاته بالامساك بالحقيقية بكلتي يديه وأم عينه، بإمكان الأدب أن يوثق يرصد يفضح ويجرم يصنع التغير ويرصد الحب والجمال الشجاعة ومحاولة الانتصار على الذات والرصاص والأزمات والحروب.
طويلة قصة لم تكتب بالحبر بل بالعرق والصمود وتكاتف الرفاق وهو البرهان علي أن الإنسان السوداني لا يموت بل يعيد اختراع نفسه من جديد وسط الركام.


اترك تعليقاً