تأملات للجمالي في عمار والكون شاحب

·

·

,
مقطوعات في الضجر والبلية حين تضحك علينا

تأملات للجمالي في عمار، والكون شاحب

الكاتب: أيوب خاطر

بدءاً بالكتابة عنك وأنت مبوبٌ، ومُحكمٌ بغلافٍ، احتجتُ كثيراً. احتجتُ أن أفرغ للصمت حيناً حتى أظل حول مدارات حرفك الحالم، المعاند والمبتهج رغم حلكة الظروف. احتجتُ (حوتة) وتلك اللحظة الهنية في قراءتك، احتجتُ كامل الحنان لا لكي أفهم أنينك في الضجر أو سخريتك في البلية يا “مُبتلى”.

احتجتُ لهذه المسافة التي تفصل الصداقة بعد تجريد المسافة للحكي، للسرد ومشاركة الولادة، من العقلاني، والشاعري، والمدهش فيك وفي نظمك. تعرف أنين الحضور؛ تعرفه عندما يصدح محمود:

“خلاص غيرتي أحوالي”

من هنا عليّ أن أتخلص من محمود، من الذي جمعنا يا صديقي، من الصحبة وشِراكها التي تفضي إلى المجاملة، من الحركة وحاجة الشعر لها، ولندخل إلى الغد واثقين. في تقديمك للعام وأنت مُحتفًى بك ونحن فرحون، فرحٌ حذر، لكنه حقيقي رغم الهواجس؛ دعنا ندخل علّنا نجد الجواب عبر محمود من جديد عندما يصدح:

“ما نحنا الفينا مكفينا،

لا بنقدر انحنا على الهجران..

لا بنرضى كمان زعلك وجفاك.”

هكذا نحاول أن نتلمسك “يا زول يا طيب”….

كلمات حول ضجر بما يكفي

ثقيلة هي الكتابة خصوصاً حين يتعلق الأمر بالشعر؛ وتزداد حلكة الأشياء تعتيماً عندما يتعلق الأمر بكتابة لعمار شرف الدين. يصادف أن تجرفك المسافة، قساوة ووحشة الواقع بعيداً عن التزامك، ويصادف أن يلهمك حرفاً طالما سعدتَ به، فرحاً بأن تحتفي وتلتفت للجمالي في أزمنة الرعب. هذا ما يلهمني صديقي عمار به دائماً وأبداً، سمة غالبة في كثير من حروفه الصادقة.

ومن كثرة تعدد مستويات الضجر ودلالته التي لا تنضب، أحاول الإلمام ببعض النور وضوء “الرتاين” في شعرك. كل قصيدة في الصرحين اللذين بين يديّ كشفٌ وبصيرة، ولو صرحتُ بالإحاطة والشمول للدلالات، أو التشبيهات، أو الخيالي في قصيدتك لكذبت؛ لا لعجز في خيالي وإنما لامتداد حرفك اللانهائي. لذا من المدهش أن أعتصر أفكاري المضنية في بعض رحيقك.

كما أن هنالك الكثير في نفحات رقيق قصائدك يفتح للروح ألطف دهشة وهي صامتة، مرعوبة من صدمة الموت والعواصف. إن الجزء من حروفك يكف العين، يكف أنين التساؤل والتأمل، كما أنه يشجي الأذن ويفتح للبصيرة كوة؛ لذا فإن اقتطاع نماذج من ديوانك وتطبيق بعض التقنيات والخواطر عليه لا يضر ولا ينقص من بقية الحروف شيئاً. كانت فكرة أن أصبغ بعض قصائدك بهذه القراءات تخفف عني ثقل ألا أتحدث عنك تفصيلاً. وتنبيه أخير قبل الدخول؛ هذه المقطوعات ليست سوى امتداد، وربما تضيء بعض الوهج الذي صبغ كل قصائد الديوان.

ماذا فعل عمار بالضجر؟

يقول جيرار جينيت: “السرد يقول دائماً أقل مما يعرف، لكنه يكشف في كثير من الأحيان أكثر مما يقول”[١]. من هذه الجملة المفتاحية -والتي أتفق معها إلى حد ما إذا كان الأمر يتعلق بالرواية- أنطلق. لكننا في وحي الشعر وموسيقى أنامل صادقة وممتحنة، لذا أقول دون حذر، دون خوف، بل وبصدق لا تشوبه العواطف: في الضجر الذي نثره صديقي النحيل، سردٌ يقول أكثر مما يعرف، يعتصر الخيالي، ويقدمه لك مائدةً ومعها شرابها. ألم يقل في ختام قصيدة (……):

“هذا اللحم طازج ويُغَنِّيِ

ماء هذه الأعين عذبةً ونقية

 هذا الدم (مُغتَسَلٌ بارِدٌ وَشَراب)”.

هكذا تمزّق بثبات لينتج كل هذا الضجر. والضجر أشكاله عديدة في حروف صديقي. تتلمس أيَّ قصيدة وأنت تتناهد في ملازمة روحية للقراءة، تنسى التزامه وصرامته وتعدد حرفه، تصير أنت الملازم للنص. هذه سمة نادرة عندما تنقلها من الرواية -مثلاً- للشعر الحر بالتخصيص. كأنما بعد كل هذا الجهد المضني يهديك إليه دون امتنان، وهذا ما يجعل الأصالة والانتماء حاضرين، ولو نفياً ولو نزفاً، ولو تضحيةً وصلباً.

إليك أيها القارئ، حتى لا نعقد الأمور أكثر، خذ بساطة وأصالة هذه المقطوعة الموسيقية من قصيدة (………):

“كلما أطقطق في حافلة

 الوجود

يصير جانب الطريق مزدحماً

أحدهم يمتلك شرفة

 فوق رأسي

 عند كل خروج للحياة

 يدلق ماء غسيله عليّ”

هنا ضجر يفضي إلى النزول ولو إلى هاوية، ضجر يستسلم للبؤس ولكن حنينه للرصيف، للطريق المزدحم، للمارة وربما لطيف خيال زارنا سوياً ومضى. إصراره للخروج أيضاً يعكس كم هو مقدار الصبر والمجالدة ومشهد الصخرة المكرور في أسطورة سيزيف.. أو دعك عن هذا النوع الصارخ من الضجر وتعال لننهل من نبع شكل آخر أخف حدة وهو ينشد:

“أحدهم استيقظ

 أحدهم أغمضوا عينيه للمرةِ الأخيرة

أحدهم في غرفة إضاءتها خافتة

 يد حريرية تزيح عنه ملابسه

 كما يزيح الإعصار كومة تراب

 وأحدهم أيضاً يد مرتجفة تجرده

 من ملبسه تجهيزاً لدخوله حضانة البرزخ”

التعدد للذات وللآخر وللحالة اعتصرها في هذه القصيدة؛ حركة تصحبها موسيقى جميلة عندما تتخيل (اليد الحريرية)، وانتقال لضجر أشد فتكاً وكآبة عندما تحرر كلمة (البرزخ) من حقلها المعجمي لحقلها الدلالي لتأتيك صديقات الكلمة (السرمد، الأبدية، العدم والجب… إلخ). وعنصر المفارقة هذا حاضر في كثير من قصائده وملازم لأسلوبه.

وأي صحو ينبهك به عمار عندما يغلق هذه القصيدة! تنبيهاً للاستمرار، لمحبة الحياة وتبجيلها هي والموت معاً عندما يكونان عقدة الآدمي في بحثه الدائم عن الخلود. يحيا ولا يرعبه السؤال، يقول:

“هؤلاء يستيقظون كل صباح من أطرافي يستحمون يجهزون الإفطار والحلويات يبدؤون يومهم بكل سلاسة وسيولة ثم ينصهرون كل مرة في قصةٍ جديدة كل مرةٍ في موتٍ جديد ثم كل مرةٍ بموتٍ جديد”

ولكي أُعالج موضوع الضجر وأمنحه دلالات إضافية، بالضرورة يتحتم عليَّ أن أُضيء شكلاً أخيراً من أشكاله بينما أنا أحاول الانتقال إلى “البلية” عندما تضحك علينا. النوع الأخير الذي أُريد الإشارة إليه من الضجر هو الذي يعالج موضوع الزمن في القصيدة وعلاقته بالضجر والاستياء. ويمكنني أن أسميه “الضجر المفضي إلى أرق”، وكيف يعالجه عمار حرفاً فحرفاً ونزفاً فنزفاً بيد الحظ والموهبة كما يقول محمود درويش[٢].

تتناثر في عمق الضجر مشاعر الشغب والتمرد والاحتجاج على محنة الإنسان، يُظهر تردده الحذر وهو يتغنى:

“أقفز لا أقفز

رأسان في جثتي يختصمان”

والقرآن يحضر ببلاغته في كثير من أبياته إشارة لنبع التصوف الذي نهل منه صديقي عبر وداعة تلك القرية مع النيل الأبيض، والتي رغم أنني لم أزرها إلا أنني تصورتها كثيراً؛ لا في النصوص وإنما بحظ الصحبة والمؤانسة والسفر. ويا لحسن حظكم إذا ما نهلتم مثلي وهو ملتاع هارب من الضجر بالحرف وتجميل المفردات ومنحها جزءاً من جسده وروحه اللواعة كما تتغنى “معلومة”:

“كيف يهوي شاعرٌ إلى النوم قصائد مشاغبة دلالات قاتلة وجدان معذب وقلب على كل سلةِ مهملات دعك من هذا كيف أهوي إلى النوم رجل صغير على رأسي شاعر متيم ووجهك دائماً على مدى رؤيته”

(كلمات كيلا تضحك البلية علينا)

“الكلمة كلب لا ينبح”[٣]، هكذا يعتقد رولان بارت الفيلسوف الفرنسي المعروف، في بحثه عن العلامات اللغوية. من هنا أجد مفتاح حديثي عن قصائد (البلية تضحك عليّ) المليء بالصدق والعجائبية في آن واحد. واثقاً أُحرّف مقولة “الجواب يكفيك عنوانه” إلى “الديوان يكفيك عنوانه”.

هذا الديوان بالذات انصهرت مواضيعه مع عنوانه. كل شيء معكوس، ولكن للعقلانية حضور كثيف وللسخرية حضور طفيف، يتسرب حتى دون أن تحس به، تتسحب الأشياء كما يتسحب عمار من حفل ساهر. كما أن ما يجعل المتعة والدهشة في كل هذه المفارقات التي صبغت قصائد هذا الديوان، هو أن هناك تجاوزاً للبشري نحو الطبيعة وأشياء الكون واستنطاقاً لما هو جميل وعادي أيضاً خارج الإنسان؛ لذا تجد معظم عناوين القصائد ترتبط بالأشياء والطبيعة مثل (ساعة الخوف، استقالة، أقلام رصاص، شجرة تحترق… إلخ). أو لأكن أكثر دقة، فـ”البلية تضحك عليّ” هي محاولة من صديقي لاستثمار صمت البشري بكامل طيشه وحكمته لصالح استنطاق الكون بتعدده الثر.

هنا نسخة أخرى من تعدد عمار هرباً من الضجر، وعكس للأشياء عبر التساؤل وتحريف الدهشة أيضاً، وفتحها للمركون والمهمل رغم أهميته، فهل يفرح لاحتراق شجرة سوى من نزع الرب عنه عدم فهم دهشة الاخضرار؟ المفارقة أكثف في “البلية تضحك عليّ” مع الاحتفاظ بالأسلوب، تلك الصبغة الخفيفة التي يتجلى بها عمار في صناعة نصوصه، ذلك الانتباه عند خلق الشعر[٤] للإحكام العقلي دون الإخلال بموسيقى الوحي، أو دقة الوصف، أضف لذلك فتحه للبلاغة والصخب معاً، وكل ذلك بحرية -وهي شرط القصيدة الحديثة هي والصدق. وما سيجعل الأمر سلساً وسهلا هو أن الشكل الغالب على قصائد الديوان هو نفحة الشذرات. يقول:

“أطفئ وجهي لأنام

في الغُرفَة

 أَطْفِئُ وَجْهَكِ لِأَنَامْ!

في الطَّرِيِق

وَجْهُكِ عَلَامَة تَوَقُّف مُرُورِية

دُونَ كِتَابَة !

**

وَجْهُكِ أَيضَاً

 “يُحْفَظُ في مَكانٍ بَارِد”

إِذاً ضَعِيِهِ عَلَى صدري

في النهار آخُذ “حِصَصَ تَركِيز”

في وَجهِك

 أمَّا في اللَّيْلِ أمتحنْ !”

منذ بداية النص عكسٌ للأشياء عبر الكلمة، بعيداً عن كون وجه الحبيبة نوراً؛ حنية التشبيه تدعوك لملازمة النص. وكي لا تتحرك ففي الطريق أيضاً شِراك، نور الإطلالة لها يستمر ليتحول لعلامة مرور؛ يا للإصرار، يا للدهشة! وكل ذلك يمر عبر قلب صديقي، قلبه الرهيف رغم التجمد والبرودة يحاول الإغواء. في الضوء وإطلالة طيفك في النهارات ينتشي عبر التركيز، وفي الليل يتبعثر، يبتلى…. جميعنا كذلك!

دعك عنها وعن حساسية رعشة الحب، فليس محباً من يبحث عن المحبوب خارجه كما يقول عمار. تعال لنختبر الضوء الخالص ونتجاوز مشاعرنا الحبيبة في فيضان أنينه ليشمل المصابيح الحقيقية لا وجوه النساء وأطيافهن. في هذه المقطوعة تفيض حساسيته لتنتقل للأشياء، للمصابيح وهي تنيرنا، وللجداول وهي تشجينا بخريرها دون أن ننصت، دون أن نلتفت يا لبعثرتنا:

“تخطر ببالي المصابيح على الطريق

 تنام بالنهار لِتُجْهَد الليل كله

 وعلى عاتقها صد العتمة

تخطر ببالي الجداول

 تثرثر دون توقف

دون أن ينصت

 أو يهتم لحديثها أحد”

…وبينما نحن غارقون في تجاهل الكون حتى للماء، للحياة التي يمنحنا شدوها وبلسم الريق من الجداول وعذوبتها؛ تنجينا حروفه كأنه يمنحنا الرضا عبر أصوات المدينة (هكذا الدنيا كدة! كدة)، والشعر وحده فارس صد العتمة.

لنعد للنهار، للصبح ونترك المصابيح. نتلمس تجربة أخرى في (استيقاظ). أربعة تحف صغيرة لوحي حر تدفق من شاعرنا هنا، تحفة أولى عتبة للنص تفتح أسئلة عدة بجانب حواره مع الأشياء بدءاً من تآمر الجدران، تأتيك رنة الوحدة والعزلة التي تحولت منه للجدران وهو خارج للحرية، أو ربما للتنفس… تنتقل بيسر -دائماً ما كان سمة لشعر عمار- إلى تحفة أخرى أقل إيجازاً وكثيفة بالمعنى، يسمع الطرق ويتمنى خروج قلبه، لأن الأصوات الداخلية أشد إيلاماً من تلك التي تأتي من الخارج، صديقي إناء مكسور.. يستمر الإيجاز وتتدفق معه حكمته في المقطوعة الثالثة: صرير السرير، وأصوات غريبة من الملاءة، باختصار كل شيء حوله يصرخ وكل ذلك في الظلام الدامس، في الأرق. كل ذلك يحدث في سطرين وما لم ينطق به شربته الأشباح. وينجو كالعادة في خاتمة النص، متنفساً هو والصبح وحتى الوسادة، يا لمعارك الليل، يا لحكمة كافكا عندما قال: “ما يزال الليل ليلاً أكثر من اللازم”.

استيقاظ:

الجدران الأربعة

 تتآمر عليّ

حين أخرج من الغرفة

تصاب الجدران بالإحباط

 على من إذًا تَضِيق؟

**

أسمع الطرق على الباب

 لكنني أفتح قلبي

 أتمنى أن يخرج

**

السرير يصًر و الملاءة تصدر صوتًا

 في الغرفة كل شيءٍ يصرخ معي

**

لا يتنفس الصبح وحده

 حينما يأتي الصباح

 حتى وسادتي تتنفس

 حينما تنتهى معركة الليل
**

هل تتوقف دلالات حروفه لتقف عند الليل وإحنه التي لا تنتهي؟ لا، ينتقل بك الأمر عبر اللغة لعوالم أكثر وحشة وأسى ولكن بتكنيك مختلف هذه المرة؛ هرباً من الاستعانة بالأساطير، بالظل -مثلاً- كما يفعل شعراء القصيدة الحديثة، إلى الاشتباك الفعلي مع الأشياء وما هو خارج الذات، خلقاً وتوليداً للنص. نقرأ في وحشة هذه المواجهة بين الشاعر والعالم الخارجي، مواجهة تخصص موضوعها عن البرد تجريداً:

“هرول الجميع

وتركوه وحيداً بالشوارع

يصفعُ البرد النوافذ والأبواب

 هو أيضاً يريد الدخول للغرفة

شعرت بالبرد في عظامي

عرفت أنه فقط

يُريد أن يخبرني عن حاله

في الفيافي

 يُصدرُ البرد صافرات استغاثة

 ويُهَرْوِل بلا توقف

آااهٍ من الوحشةِ

تلك التي تجعله

 يستلقى بأحضان الجميع”

ختاماً، وأنا أحياناً يجرفني الشعر للصمت، للهدوء والتأمل، لا أنسى إضافة ملاحظة أخيرة وهي كثافة الوصف ودقة التشبيه التي صاحبت معظم قصائد الديوانين. ولأن أي نص يعبر عن قوته أو ضعفه من بنيته الداخلية، أترك ثرثرتي وأدعو نفسي وإياكم للإنصات، للتأمل والفرح، وقبل كل ذلك التساؤل اليقظ والعتاب، للنفس وللكون الذي عاملنا أشياءه كمقتنيات كما ستقرأون.

الهوامش

١/ جيرار جينيت، كتاب (الأشكال).

 ٢/ قصيدة محمود درويش (لاعب النرد)

٣/ رولان بارت، فيلسوف وأديب فرنسي.

 ٤/ معاوية محمد نور بتصرف؛ حيث المقولة تعود إليه عندما قال: الشعر وحي وإلهام ولكنه في ذات الوقت إحكام عقلي.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *