يعيش السودان اليوم واحدة من أعقد لحظاته التاريخية؛ نزاعات مسلحة، وانهيار اقتصادي، وتدهور بيئي متسارع، كلها تتشابك لتصنع واقعاً هشاً يهدد حياة الناس وسبل عيشهم. لم تعد البيئة مسألة هامشية أو قضية تخص المختصين وحدهم، بل أصبحت عاملاً حاسماً في تفجير النزاعات أو تهدئتها، خصوصاً في المجتمعات التي تعتمد على الأرض والماء والمراعي للبقاء.
ينطلق هذا المقال من فرضية بسيطة لكنها عميقة: أن إدارة الموارد الطبيعية، إذا ما أُحسن توظيفها، يمكن أن تتحول من سبب للصراع إلى مدخل لبناء السلام وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية في السودان. ومن خلال مقاربة قائمة على الأدلة، يناقش المقال مفهوم «بناء السلام البيئي» وعلاقته بفكرة «العدالة المناخية»، في سياق إعادة الإعمار والاستقرار الاجتماعي.
من صراع الموارد إلى إمكانات التعاون
لطالما شكّلت الأرض والماء والمراعي محوراً للصراعات المحلية في السودان، لا سيما في مناطق الاحتكاك بين الرعاة والمزارعين. ومع ازدياد الضغط السكاني، وتراجع خصوبة الأراضي، واتساع رقعة التصحر، تحولت هذه الموارد المحدودة إلى شرارة لنزاعات متكررة، كثيراً ما اتخذت طابعاً قبلياً أو إثنياً.
لكن هذا التصور التقليدي، الذي يرى البيئة فقط كمصدر للنزاع، لم يعد كافياً لفهم الواقع. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن المخاطر البيئية المشتركة—مثل الجفاف أو الفيضانات—قد تخلق نوعاً من الاعتماد المتبادل بين المجتمعات المتنازعة، وتجبرها على الجلوس معاً بحثاً عن حلول عملية للبقاء.
من هنا تنطلق الفكرة المركزية لهذا المقال: حين تُدمج إدارة الموارد الطبيعية في مبادرات بناء السلام على المستوى المحلي، يمكن لذلك أن يعزز الثقة، ويدعم التماسك الاجتماعي، ويفتح مساحات جديدة لمشاركة النساء والفئات المهمشة، بما يمهّد لمعالجة أعمق للملفات السياسية والأمنية لاحقاً.
السلام عبر البيئة، والعدالة عبر المناخ
يشير مفهوم «بناء السلام البيئي» إلى إدارة الموارد الطبيعية بطريقة تقلل من احتمالات النزاع، وتدعم التعافي الاقتصادي، وتؤسس لسبل عيش مستدامة بعد الحروب. في السودان، حيث يعتمد معظم السكان بشكل مباشر على الأرض والمياه، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى الضرورة منها إلى الخيار.
ترتكز هذه المقاربة على ثلاث آليات رئيسية:
- الهدف المشترك: الكوارث البيئية لا تميز بين قبيلة وأخرى. الجفاف والفيضانات يهددان الجميع، ما يخلق أرضية مشتركة للتعاون في مواجهة «خطر واحد» يتجاوز الانقسامات التقليدية.
- بناء الثقة التدريجي: التعاون في قضايا فنية غير مسيّسة—مثل إدارة مصادر المياه أو تنظيم استخدام المراعي—يمكن أن يكسر حواجز الشك ويفتح قنوات تواصل مستدامة.
- المأسسة: إنشاء لجان أو هيئات مشتركة لإدارة الموارد يرسخ مبادئ الحوكمة والمساءلة، ويمكن أن يكون نموذجاً يُحتذى به في قطاعات أخرى.
لا يمكن الحديث عن السلام دون الحديث عن العدالة. فالعدالة المناخية تضع الإنسان في قلب النقاش البيئي، وتسلّط الضوء على حقيقة أن الفئات الأكثر فقراً وتهميشاً هي الأقل مساهمة في التغير المناخي، لكنها الأكثر تضرراً من آثاره.
في السودان، تتحمل المجتمعات الريفية عبئاً مضاعفاً: موارد أقل، وخدمات أضعف، ومخاطر مناخية أكبر. وعندما يُحرم الناس من حقهم في المياه أو الأرض، فإن ذلك لا يشكل أزمة بيئية فحسب، بل نوعاً من «العنف البنيوي» الذي يغذي الغضب وعدم الاستقرار.
التغير المناخي ليس السبب الجذري للنزاعات في السودان، لكنه يعمل كمضاعف للمخاطر، يزيد من حدة التوترات القائمة ويعقّد سبل معالجتها.
ندرة المياه والجفاف تؤجج التنافس بين الرعاة والمزارعين، خصوصاً في مناطق مثل دارفور. والتصحر وتدهور الأراضي يدفعان إلى الهجرة القسرية، ما يخلق احتكاكات جديدة مع المجتمعات المستضيفة. أما الفيضانات والكوارث المتطرفة، فتقضي على البنية التحتية الهشة أصلاً، وتزيد من صعوبة التعافي بعد النزاع.
تُظهر بعض التجارب الميدانية في السودان أن هذا المسار ليس نظرياً فقط.
يُعد مشروع وادي الكو في دارفور مثالاً واضحاً على كيف يمكن لتحسين إدارة الموارد الطبيعية أن يغيّر ديناميات الصراع. فمن خلال رفع الإنتاجية الزراعية، وإشراك مختلف الأطراف في إدارة المياه والأراضي، نجح المشروع في تخفيف الضغط على الموارد وبناء قدر من الثقة بين المجتمعات المحلية.
تلعب النساء دوراً محورياً في إدارة الموارد على المستوى اليومي، خاصة في جمع المياه والغذاء. إشراكهن في لجان إدارة الموارد لا يعزز العدالة الجندرية فحسب، بل يحسّن أيضاً من فعالية القرارات واستدامتها، ويمنح مبادرات السلام جذوراً أعمق في المجتمع.
أما على المستوى الإقليمي، فإن نهر النيل يظل مثالاً حياً على كيف يمكن للمياه أن تكون إما سبباً للتوتر أو جسراً للتعاون. فالتعاون الفني حول إدارة المياه العابرة للحدود يمكن أن يفتح مسارات للحوار السياسي الأوسع.
رغم الإمكانات الكبيرة، يواجه هذا النهج عقبات حقيقية. من أخطرها تسييس البيئة، واستخدام الموارد كسلاح في النزاعات، أو ما يُعرف بـ«الاستيلاء الأخضر»، حيث تُصادر أراضي المجتمعات المحلية باسم مشاريع بيئية دون مشاركتها أو تعويضها. يضاف إلى ذلك ضعف الحوكمة وغياب المؤسسات القادرة على إدارة الموارد بشفافية وعدالة.
إن النظر إلى البيئة كمدخل للسلام والعدالة الاجتماعية في السودان ليس ترفاً فكرياً، بل استجابة واقعية لتحديات معقدة. فإعادة بناء الدولة تمر حتماً عبر حماية الموارد، وضمان عدالة الوصول إليها، وإشراك المجتمعات المحلية في اتخاذ القرار.
توصيات أساسية:
- إدماج الأمن المناخي ضمن مفهوم الأمن القومي.
- تمكين المجتمعات المحلية من إدارة مواردها.
- ضمان انتقال عادل نحو الاقتصاد الأخضر لا يهمّش الفقراء.
- تعزيز المساءلة عن الجرائم البيئية باعتبارها انتهاكات لحقوق الإنسان.
في النهاية، لا يمكن فصل السلام عن الأرض التي يعيش عليها الناس، ولا العدالة عن الماء الذي يشربونه. والبيئة، إذا أُحسن التعامل معها، قد تكون أحد المفاتيح القليلة المتبقية لفتح باب الأمل في السودان.


اترك تعليقاً